ثلاثة أيام وتنعقد القمة العربية في الرياض. إذا كان المقياس في حجم التحديات وعدد الساحات الملتهبة، كما في مصيرية اللحظة الراهنة؛ فإنها بلا شك هي قمة القمم. الظروف غير اعتيادية، المنطقة على مفترق طرق. والاحتمالات غير مسبوقة، لناحية المخاطر التي تنطوي عليها.

واجه الوضع العربي في السابق انعطافات ومستجدات من العيار التاريخي وذات التداعيات البعيدة المدى. لكنه لم يعرف في تاريخه الحديث، فترة طافحة بالأحداث النوعية والتهديدات المتزامنة التي تواجهه بالجملة، كما هو الحال الآن. القمم العربية السابقة كانت جداول أعمالها، دوماً، مثقلة بالبنود المهمة والساخنة، التي كان حضور أحدها يطغى على الأخرى. هذه المرة البنود ـ الهموم المطروحة كلها من العيار نفسه وتتساوى في طابع العجلة والإلحاح، غير القابلين للتأجيل. المراوحة عملة غير قابلة للتداول، في بورصة هذا الزمن العربي.

من هنا لا مبالغة في القول إن مؤسسة القمة هي الأخرى، على المحك. مطلوب من باخرتها عبور ممرات مائية هائجة وعلى ظهرها حمولة تزيد على طاقتها المعروف عنها أنها، لأسباب كثيرة غير مجهولة، ليست متمرسة بالعبور القادر غير المتعثر، حتى عندما كانت المهمة أهون بكثير مما هو على عاتقها الآن. وهنا وجه التحدي الكبير. ويزيد من حدته أنه ليس هناك خيار آخر غير العبور، أو على الأقل الغرق.

ربما من حسن الحظ أن تتخفف سفينة القمة وقبل أيام قليلة من عبء الأزمة الداخلية الفلسطينية. تشكيل حكومة الوحدة الوطنية، تنفيذاً لاتفاق مكة، جعل الملف الفلسطيني المطروح محصوراً بعملية السلام فقط. ويبدو أن المؤتمر سوف يعيد طرح المبادرة العربية التي سبق وتبنتها قمة بيروت عام 2002.

إحياؤها والعمل على ترجمتها، عملية ليست سهلة وميسورة، في وجه الصلف الإسرائيلي والتعاطي الأميركي التعجيزي مع الحكومة الفلسطينية ـ كما مع عملية السلام برمتها، خاصة وأن على أكتاف القمة ملفات أخرى لا تقل أهمية واشتعالاً من عملية السلام.

الوضع العراقي يمرّ بمرحلة فاصلة محفوفة بكل أنواع المخاطر. مجريات الأحداث فوق ساحته ترسم سيناريوهات مخيفة. الاحتلال والتداخلات مع العنف الدموي المتدفق نهره على غير انقطاع، أدّى كله إلى وضع البلد في غرفة العناية المركزة. وعلى القمة لعب دور الطبيب الذي يقوى في أقله، على لجم الانهيار. كما ان مثل هذا الدور مطلوب ولو بدرجة أقل، على صعيد لبنان لمنعه من مواصلة الزحف باتجاه حافة الهاوية.

وفي هذه الحالات تحتاج القمة إلى إبداع الصيغ الكفيلة بكسب تعاون العراقيين واللبنانيين لمساعدة الطبيب العربي على النهوض بدوره. من دون مثل هذا التجاوب المحلي لن يكون بوسع القمة اجتراح المعجزات. وبذلك فالمسؤولية مشتركة. ولا بديل عن هكذا معادلة. وربما يكون ثقل ومصيرية التحدي، هذه المرة، من المحفزات التي تدفع نحو العمل للوصول إلى صياغة المخارج ولو بالحد الأدنى، بحيث تكون في ذلك بوادر الخلاص للمنطقة وولادة جديدة واعدة لمؤسسة القمة العربية.