وسط احتدام الجدل بين المعارضة المصرية والحكومة بشأن التعديلات على الدستور التي سيتم الاستفتاء عليها غدا، تغرق قلعة الكبش الشعبية التي يمثلها برلمانياً رئيس مجلس الشعب فتحي سرور، في أحزان ما بعد الحريق الكبير الذي التهم بيوتهم الصغيرة المصنوعة من خشب وقش.

مئات الأسر الفقيرة وجدت نفسها بين عشية وضحاها بلا مأوى، تتسول رضاء الحكومة وممثليها،علها تجد أربعة جدران لأجساد تلتحف السماء وتفترش قارعة الطريق، فاذا بها تواجه هراوات الأمن الغليظة التي أسالت دماء البعض منهم.

أمام هذا المشهد المأساوي الذي يعري هشاشة الغطاء الاجتماعي لمنكوبي الكوارث المتكررة، يصبح عناد الحكومة لتمرير تعديلات دستورية، مثار خلاف، ودعوة المعارضة لمقاطعة الاستفتاء، نوعا من الجدل العقيم، الذي لا يسمن ولا يغني من جوع بالنسبة لملايين المصريين البسطاء المفترض ان يدلوا بدلوهم في مواد دستورية تقول المعارضة انها بمثابة «موت للدستور».

قلعة الكبش نموذج مصغر لآلاف المناطق العشوائية الفقيرة التي نمت وتكاثرت على أطراف المدن المصرية الكبرى وخاصة العاصمة، وترجمة صادقة لسنوات من العشوائية في العمل السياسي، وغياب الرقابة والشفافية في الميدان الاقتصادي، ما انتج أزمات اجتماعية متوالية، تتجسد في الملمات على شاكلة حريق قلعة الكبش، وحوادث القطارات وغرق العبارات.

عن اية مواطنة اذن سينص الدستور في تعديلاته الجديدة، فيما المواطن نفسه خارج نطاق الاهتمام على هذا النحو، واي مواطن يمكن ان يدلى برأيه، فيما الواقع لا يعطيه فرصة للشعور بان الجميع على قدم المساواة في الحقوق والواجبات؟

كيف ينظر هذا المواطن الى انتقادات الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني لتعديل المادة 179 من الدستور التي تمنح رئيس الجمهورية حق إحالة المتهمين في قضايا الإرهاب الى محاكم استثنائية وتعطي أجهزة الأمن حق الاعتقال ومراقبة مراسلات الأفراد والتنصت على هواتفهم من دون إذن قضائي.

هل يلتفت المشردون والغارقون في مشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية الى مثل هذه الانتقادات، او حتى سيعيرون الاستفتاء على تعديلات الدستور اي اهتمام؟

التعديلات الدستورية تعبير عن موازين سياسية واقتصادية واجتماعية، وهي للأسف ليست لصالح هؤلاء في الوقت الراهن، وهنا يكمن خطأ المعارضة المصرية التي ظلت تطالب بإجراء تعديلات دستورية، وهي لا تملك مفاتيح التأثير الحقيقية لتعديلات مرضية تكون دفعة الى الأمام وليس الارتداد الى الخلف.

اعتقد البعض ان المطالبة باجراء تعديلات على الدستور مجرد صيحة سيتم تلبيتها وكأن على الحكومة السمع والطاعة، فكانت النتيجة على نحو ما جرى، حتى ان بعض الأصوات التي طالبت بإلغاء الطوارئ والاستعاضة عنها بقانون دائم للإرهاب، اعترفت بخطأ دعوتها بعد ان استغل الحزب الحاكم المناخ المواتي والفرصة لتمرير ما يخدم مصالحه.

وفي حديث المصالح أيضا، عمدت الولايات المتحدة، التي طالما ادعت مناصرتها لعملية إصلاح سياسي جادة في مصر، الى غض الطرف، بل التخفيف من حدة مطالبتها باحترام الديمقراطية، ورأينا كيف كان رد الناطق باسم الخارجية الأميركية شون ماكورماك الإسراع في الدعوة الى الاستفتاء بعد أسبوع واحد من إقرار التعديلات الدستورية من قبل البرلمان في ظل مقاطعة أكثر من مئة نائب مستقل ومعارض ورأى ماكورماك ان الأمر يجب وضعه «في إطار الإصلاحات السياسية والاقتصادية في مصر».

وعندما الح عليه الصحافيون للتعليق على المدة الزمنية القصيرة التي تسبق الاستفتاء كان رده «في العالم المعاصر اليوم من المؤكد انه امر ممكن نظريا الحصول على كم كبير من المعلومات وتحليلها في مدة قصيرة».نعم في العالم المعاصر يمكن لسكان قلعة الكبش وأمثالهم الحصول على كم كبير من المعلومات وتحليلها في مدة قصيرة؟!