قبل أربع سنوات من الآن وفي مثل هذه الأيام بالذات، وبينما كانت القوات الغازية تتقدم بسرعة نحو عاصمة الرشيد بغداد وهي تحرق الأخضر واليابس غير عابئة بأحد، سألت المعارضة العراقية في حينها وفي مقال نشر في صحف المهجر العربي اللندنية تحت عنوان «بأي وجه ستدخلونها؟».
الأسئلة التالية:
1 ـ ماذا سيكون حجم مسؤوليتكم في الخراب والدمار اللذين سيحصلان في نفوس العراقيين ودمائهم التي سالت وستسيل من غير ذنب وأنتم تعرفون أن صدام حسين لطالما قال إنه مستعد لحرق العراق بأكمله إذا ما هدد بالترحيل النهائي تحت وطأة السلاح؟!
2 ـ ما هو موقفكم الفعلي والحقيقي تجاه زملاء لكم ومنضوين بين صفوفكم الذين أعلنوا ودون مواربة بأن ما سمعوه من أصوات القنابل والصواريخ وهي تنهال على العراق أعذب من أجمل موسيقى سمعتها أذناي في حياتي، كما ورد في مقال نشر لكنعان مكية في الصحافة الأميركية أو الذين قالوا:
«إن اليهود العراقيين سيكونون درة «التاج العراقي»! كما ورد في تصريحات علنية للسيد أحمد الجلبي، أو الذين باعوا نفط العراق ورهنوه لدى الشركات الأجنبية قبل دخولهم العراق، كما ورد في التقارير التي تسربت آنذاك ـ وها هي الأيام تثبت ما ذهبنا إليه آنذاك من خلال قانون النفط العراقي الجديد الذي تستنكره العقول الغربية النيرة والحرة قبل العقول العراقية!
3 ـ ما هو حجم مسؤوليتكم عن أخطار الحروب الأهلية والفتن العرقية والطائفية المتوقع اندلاعها لا سمح الله في العراق الجديد بعد كل الذي حصل من انتهاك لكل أشكال الحرمات؟
4 ـ ما هو حجم مسؤوليتكم التي سيسجلها التاريخ في الترويج لمقولة مناشدة الأجنبي والاستقواء به لتغيير السلطة في أقطار العالمين العربي والإسلامي وتسويق ذلك كأمر طبيعي بعد أن كان بدعة وسابقة يعاقب عليها في العمل السياسي ويتهم رجالها بالخيانة العظمى؟
5 ـ ما هو حجم مسؤوليتكم التي سيسجلها التاريخ في إخراج العراق من محيطه العربي والإسلامي عملياً وتحويله لقمة سائغة بيد أرباب المجتمع الدولي ووضع سيادته ووحدة أراضيه واستقلاله في عهدة الدول الخمس الكبار في أحسن الأحوال إن لم يكن في عهدة طاغية العصر الأكبر للدولة الأعظم في العالم حصرياً؟ وأضفت لهم قائلاً: أعرف جيداً أن لديكم جميعاً أجوبة عراقوية جازمة على كل الأسئلة الآنفة الذكر، مفادها أن صدام حسين وحكمه الاستبدادي هما المسؤولان عما آلت إليه الحالة العراقية، لكن السؤال الذي سيحاسبكم التاريخ عليه هو أنكم وأنتم تعرفون أن صدام وعهده ذاهبان بكم أو بدونكم كما تقولون.
وأنكم لن تستطيعوا إيقاف الحرب الملعونة التي صمم لها أن تمضي شاء من شاء وأبى من أبى، فلماذا لم تقفوا وقفة عز وصدق للتاريخ أو حتى وقفة مصلحة سياسية وعقلية وبراجماتية كما فعل شرودر الألماني أو شيراك الفرنسي أو بوتين الروسي الذين رفضوا إضفاء الشرعية العرفية أو الأخلاقية أو الرسمية على هذه الحرب الملعونة فيما أنتم منحتم الاحتلال «عباءة» شرعية هكذا مجاناً ودون مقابل؟!
كان هذا الكلام قبل أربع سنوات، ووقتها كانت هناك عدة فرص مواتية أضاعها النظام كما أضاعتها «المعارضة» برأيي عندما لم يستمعوا إلى صوت الحكمة الذي انطلق من عدة جهات لحل المشكلة العراقية بطرق غير دموية أو أقل دموية على الأقل، ورفضوا الإنصات في حينها إلى صوت العقل الذي انطلق من المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان ومن أمين عام حزب الله حسن نصر الله، ومن وزير خارجية إيران كمال خرازي، وهو الصوت الذي حاول المزج بين تحقيق بعض مطالب المعارضة وبعض مطالب السلطات الرسمية التي كانت حاكمة في بغداد آنذاك بعيداً عن تدخل الدول الكبرى السافر والعنيف.
والذي نرى الآن ماذا حل بالعراق بعد مرور أربع سنوات على غزوه واستباحته ونزيفه المستمر والأسئلة لا تزال نفس الأسئلة بأعناق كل من ساهم بما حصل بعاصمة الرشيد وبلاد الرافدين ومنهم من هم الآن في سدة الحكم.غير أنها لحظة مؤاتية جديدة للاعتبار من الماضي، لحظة إعادة قراءة التاريخ من جديد، لحظة مراجعة الحسابات والضمير والوجدان لإنقاذ ما تبقى وما يمكن إنقاذه من العراق المستباح دماً ونفطاً وهوية ومستقبلاً.
المطلوب إيجاد طريق ثالث بين الارتهان الأجنبي والاستظلال بعلمه وبين الركون إلى الأنا والفئوية والاستبداد بالرأي والديكتاتورية وحب الجاه والسلطة والتمسك بالكرسي والمحاصصة وحس الانتقام على حساب الوطن ومستقبل البلاد والإقليم والمنطقة والأمة التي يفترض أن يكون العراق من أركانها.
طريق لا يقبل بذلك ولا بهذا. بل طريق يلجأ إلى الوجدان الجمعي للعراقيين، الوجدان الجمعي للعرب والمسلمين بكل أطيافهم وفئاتهم وأعراقهم ومللهم ونحلهم وثقافاتهم ومكوناتهم الاثنية والطائفية والمذهبية والدينية التي إن أجمعت على شيء فإنها لن تجمع بالتأكيد لا على الديكتاتورية والاستبداد ولا على الاستقواء بالأجنبي والرهان عليه.
أعرف أن الكلام في هذا السياق سهل وأعرف أنكم ستقولون «إن الذي يأكل العصي ليس مثل الذي يعدها» وخاصة وهو من خارج الميدان، لكن القدر المتيقن الذي بدأ يظهر للجميع بعد هذه السنوات الأربع العجاف هو أن الأمة العراقية في غالبيتها بدأت «تترحم» على أيام زمان من حيث الأمن والأمان والاستقرار، وان ليس من حيث الحريات وما إلى ذلك مما كانوا يفتقدونه في عهد الاستبداد وهو أمر يتطلب المصارحة والمكاشفة والاعتراف بالأخطاء وهي فضائل يثاب عليها كل من يلجأ إليها لاسيما في الملمات.
وهذا الأجنبي الذي «يستر» العورات الآن على البعض فلابد راحل يوماً ما إن عاجلاً أو آجلاً فيما الشعب باق والأمة باقية والأعراف والأطياف والطوائف والمذاهب والعراق باقية ويوم الحساب قادم على الجميع، فماذا ستجيبون ونجيب يوم لا ينفع علم ولا بيرق ولا خيمة إلا علم وبيرق وخيمة الإسلام والعروبة والتآخي والمصالحة الحقيقية القائمة على احترام بعضنا البعض وليس الانجرار وراء غرائزيتنا الملعونة وأهوائنا الضيقة وأنانيتنا.
إن يوم الحساب الدنيوي يقترب من الجميع والعراق بحاجة إلى مساعدة الجميع ولا يستأهل مزيداً من الاستباحة والذبح والتقتيل على الهوية وانفلات الغرائزية، بل وقفة مع العقل والتوبة والعودة إلى حضن الأمة والناس!
كاتب إيراني