عندما بدأت المقاومة العراقية عملياتها الأولى ضد الاحتلال الأميركي، لم يكن أحد يأخذها على محمل الجد، ولعل ذلك الانطباع يرتبط في أحيان كثيرة بمعظم بدايات الأشياء، غير ان هذا الاعتقاد الذي ساد يومها لدى الكثيرين كان له ما يبرره فالعصر لم يعد في نظر الكثيرين عصر مقاومات. فمنذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإعلان الحرب على الإرهاب .

ومن ثم تجييش الولايات المتحدة للعالم خلفها لم يعد أي طرف دولي ولاسيما في المنطقة العربية يجرؤ على استخدام مصطلح المقاومة في لغته الدبلوماسية الرسمية دون أن يتلقى ردة فعل من قبل الغرب تضعه في قائمة الإرهاب، حتى ان معظم الأنظمة العربية بدأت قبل غزو العراق تتحاشى في لغتها الرسمية استخدام هذا المصطلح بخصوص المقاومة الفلسطينية التي لم يكن هناك اختلاف بين العرب على إنها كذلك.

كانت أحداث الحادي عشر من سبتمبر وإعلان الحرب على الإرهاب، فرصة تاريخية بالنسبة للغرب لنزع الشرعية عن أي فعل يقاوم هيمنته، حيث سبق أن أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة في ستينات القرب الماضي ذلك القرار الشهير الذي اعترف بحق الشعوب المستعمرة والمحتلة في المقاومة المسلحة، بل دعا الآخرين إلى تقديم المساعدة لها لتحقيق هذا الغرض.

فكان ذلك القرار بمثابة إدانة لسياسة الاحتلال والاستعمار التي كانت تمارسها القوى الغربية الكبرى منذ القرن السابع عشر وإضفاء للشرعية على كل الذين درجت أدبيات الاستعمار الغربي السياسية والعسكرية على تسميتهم بالمتمردين والعصاة والخارجين عن القانون، فقد كان العالم يومها منقسما إلى معسكرين مما أتاح هامشا أوسع أمام حركة الشعوب المغلوبة كما أن الولايات المتحدة كانت في عجلة من أمرها لوراثة تركة أوروبا العجوز، التي كانت تعاند بغباء محاولة الاحتفاظ بمستعمراتها عن طريق استخدام القوة .

كما كانت تفعل طوال القرون السابقة ولم يكن بإمكان الولايات المتحدة أن تتبنى أو تبارك مثل هذه السياسة في الوقت الذي كانت تتقمص فيه دور زعيمة العالم الحر في مواجهة القطب الآخر الذي كان يقدم الايديولوجيا والسلاح والدعم السياسي لحركات التحرر في العالم الثالث وكانت الولايات المتحدة يومها تبدو مثالا ينال إعجاب الكثيرين وبالتالي كانت ترى انه بالإمكان تحقيق النتيجة ذاتها التي تسعى لتحقيقها قوى أوروبا العجوز عن طريق القوة، وذلك عن طريق ااستتباع الاقتصادي والسياسي والثقافي دونما حاجة إلى التواجد العسكري الذي يستفز المشاعر .

ويعطي الفرصة للخصم الإيديولوجي أن يستنزف المعسكر الرأسمالي عن طريق توريطه في صراع مسلح مع هذه الشعوب الثائرة، التي لم تعد تقبل بهذا النوع من العلاقة المهينة التي ربطتها بمستعمريها طوال القرون الماضية، ولذا لم تقف الولايات المتحدة في وجه ذلك التيار الذي قاد المنظمة الدولية إلى تبنى سلسلة من القرارات التي شرعنت حركات المقاومة المسلحة لهذه الشعوب ضد مستعمريها، بل دعت إلى تقديم العون لها من اجل تحقيق تلك الغاية .

لم تكن الولايات المتحدة في تلك المرحلة ضد مبدأ الاستعمار الاقتصادي والسياسي لهذه الشعوب بل كانت على خلاف مع قوى أوروبا الاستعمارية فقط حول مبدأ الاستعمار العسكري، فالخلاف ليس حول المبدأ وإنما حول الوسيلة التي لم تعد ناجحة في زمن انقسم فيه الغرب بين أيديولوجيتين، فأتاح هذا الانقسام أمام تلك الشعوب قدرة أكثر لتحدي التواجد العسكري الاستعماري فوق أراضيها باستنزافه وإلحاق الأذى به، وهو الأمر الذي لم يكن متاحا لها في زمن احتكار تكنولوجيا السلاح واقتسام العالم بالتراضي بين قوى الاستعمار الغربي .

كانت الولايات المتحدة تعتقد أنها تمتلك من الإمكانيات والقدرات التي تجعل منها مثالا براقا للتفوق والنجاح جديرا بالإعجاب والتماهى وبالتالي تستطيع أن تستتبع هذه الشعوب دون أن تضطر إلى إرسال جنودها إلى مدن وقرى تلك البلدان فيكفيها تنشئة واستقطاب النخب والقيادات ومن ثم الدخول معها في تحالفات تحت مسميات توحي في ظاهرها بالندية والمساواة، كالتعاون والدفاع المشترك ضد الخطر الأحمر الذي يهدد الأديان والقيم والحريات .

وبالتالي تضمن تواجدا عسكريا وسياسيا يمكنها من ممارسة لعبة الأمم مع أي نظام حليف لا يبدو نهجه وتوجهه السياسي أو الاقتصادي على اتساق تام مع الاستراتيجية الأميركية، غير أن التغيرات التي جرت خلال العشرية الأخيرة من القرن الماضي بسبب اختفاء الخصم السوفييتي وهزيمته دون حرب ساخنة جعلت الولايات المتحدة تعيد النظر في جملة من المفاهيم والمسميات على ضوء ما تريد أن تضطلع به من دور كقوة عظمى وحيدة تدور في فلكها وحدات النظام الدولي ولعل أولى ركائز هذا الدور هي القوة العسكرية .

وهذا يعنى الانتشار والتدخل والغزو وذلك يقتضي العودة إلى الإرث المفهومي الأوروبي إبان المرحلة الاستعمارية لاستخراج المفاهيم والتوصيفات التي ينبغي إلصاقها بكل من يحاول من أبناء الشعوب الأخرى مقاومة هذا الانتشار والتمدد، فلم تعد المرحلة هي مرحلة الستينات التي أحجمت فيها الولايات المتحدة عن مؤازرة هذا الإرث في المحافل الدولية .

لقد وجدت الولايات المتحدة نفسها في بداية الألفية الثالثة متجهة نحو الانغماس في سياسة الغزو والاحتلال لأجل تسوية ما تراه أوضاعا شاذة متبقية من مخلفات الثنائية القطبية وذلك ما عكسه البرنامج الانتخابي للرئيس بوش الابن الذي أصر على أن يحتوى برنامجه الفقير على نقطة أساسية تتعلق بضرورة التركيز على تحديث ورفع كفاءة القوة العسكرية الأميركية فكل المتغيرات كانت ترشح الولايات المتحدة للظهور كقوة غازية ومحتلة تمارس الدور الاستعماري التقليدي.

وكان يلزمها التخلص من تفاهمات ومفاهيم مرحلة الثنائية القطبية ولم تنتظر طويلا حتى أحداث الحادي عشر من سبتمبر- المختلف حول حقيقتها وأسبابها حتى الآن - لتفتح الطريق أمام عودة مفاهيم الإرث الغربي القديم بعد أن تم تنقيحها حسب مقتضيات الحرب على الإرهاب فالتقت الولايات المتحدة مع أوروبا العجوز هذه المرة حول مبدأ رفض العنف واعتباره إرهابا مهما كانت أسبابه ودوافعه بما في ذلك مقاومة المحتل دفاعا عن الأرض والعرض .

ورغم أن قرار المنظمة الدولية الذي اعترف بحق المقاومة المسلحة لا يزال من الناحية القانونية ضمن أجندة القرارات السارية، الا انه عمليا لم يعد بإمكان أحد أن يعلن في محفل دولي عن وقوفه وتأييده لحق المقاومة المسلحة دون أن يضعه الغرب في قائمة الممارسين أو الداعمين للإرهاب.

ولهذا فإن الإعلام الرسمي العربي لم يجرؤ على وصف العمليات التي بدأت ضد الاحتلال الأميركي بأنها عمليات مقاومة وتساوت في ذلك الدول التي ساهمت في الغزو أو تلك التي وقفت على الحياد، فقد ظل إعلامها جميعا يتخذ موقف الراوي المحايد الذي ينقل عن الفاعل ما يدعيه لنفسه من صفات وأفعال دون أن يتورط في اي إيحاء يدل على انه يتبنى شيئا من تلك الصفات أو الأفعال وذلك باستخدام تعبيرات من قبيل الجماعة التي تسمي نفسها كذا وفي أحيان أخرى يكتفي بالمفردات التي درجت البيانات العسكرية الأميركية على استخدامها في البداية.

والتي تصف فيها المقاومة بالجماعات المسلحة، غير أن استمرار المقاومة وارتفاع وتيرة عملياتها وتصلب عودها جعل منها طرفا من العبث تجاهله في حالة القيام بأية مقاربة لحل المسألة العراقية المعقدة بصرف النظر عن الصفات والنعوت التي يلصقها بها خصومها، ولكن الأهم من ذلك هو ان الأنظمة العربية السياسية التي كانت تعيش في حالة من الشلل والرعب مستشعرة عصا الديمقراطية الأميركية فوق رؤوسها، دبت الحياة فجأة في أوصالها وأحست أن هذه الجماعات المسلحة التي لا تستطيع أن تسميها باسمها، قد تكون هي طوق النجاة والمعجزة التي تنقذها من هذه القبضة الأميركية الخشنة المتزينة بقفاز ديمقراطي.

كاتب ليبي جامعة بنغازي