من المؤكد أن حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية أكثر تمثيلاً للشعب الفلسطيني من تمثيل حكومة الرئيس بوش للشعب الأميركي، أو تمثيل حكومة إيهود أولمرت للمواطنين في الكيان الصهيوني.
الحكومة الفلسطينية الجديدة تمثل حوالي 90 % من الفلسطينيين في غزة والضفة، والذين يعارضونها سواء من المشاركين في العملية السياسية (مثل الجبهة الشعبية) والذين لا يشاركون فيها (مثل تنظيم الجهاد) هم أكثر تشدداً في مطالبهم الوطنية وفي رفضهم لمعظم السياسات المتبعة منذ اتفاقيات أوسلو.
بينما الرئيس الأميركي يعرف أن ثلثي الشعب الأميركي يعارضون سياساته ، ويرون انه أسوأ رئيس في تاريخ أميركا ويعتبرونه المتسبب في كارثة العراق التي كلفت أميركا أكثر من ستمئة مليار دولار حتى الآن وأكثر من ثلاثة آلاف قتيل وعشرين ألف جريح وأفقدتها احترام العالم واحترامها لنفسها، أما أولمرت فقد دخل التاريخ باعتباره أقل رؤساء الحكومات في إسرائيل استحواذاً على ثقة المواطنين فيه، حيث لم يعد يثق فيه كرئيس للحكومة أكثر من 2 % من مواطني الكيان الصهيوني بعد الفشل الذريع في لبنان والفضائح التي تحاصره حتى داخل مكتبه.
ومع ذلك، ففي الوقت الذي كان تشكيل حكومة الوحدة الوطنية يلقى ترحيباً عربياً، ويحقق اختراقاً على الجبهة الأوروبية، كانت إسرائيل تعلن مقاطعتها للحكومة الفلسطينية وتبدأ حملة دولية لإبقاء الحصار المضروب على الشعب الفلسطيني، وهذا كله ليس غريباً على الموقف الإسرائيلي الساعي لكسب الوقت وفرض الأمر الواقع على الفلسطينيين والعرب. ولكن الغريب حقاً هو موقف الإدارة الأميركية...
هذه الإدارة التي فاجأها حجم الفشل في العراق والتي بدأت بالفعل في وضع خطط الانسحاب من العراق وتريد تأمين هذا الانسحاب بمظلة دولية وإقليمية تمنع تحول الأمر إلى كارثة بالنسبة لها وإلى تهديد كامل لمصالحها في المنطقة.. هذه الإدارة التي اكتشفت ـ في هذا الإطار ـ أن قضية فلسطين هي أساس الاستقرار أو عدمه في المنطقة، وأعلنت أنها ستكرس جهودها لتحقيق تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.
ودفعت إسرائيل إلى إعادة اكتشاف المبادرة العربية بعد خمس سنوات من التجاهل.. ثم تجد أمامها حكومة فلسطينية تتبنى برنامجاً معتدلاً وتضمن لأي اتفاق يمكن التوصل إليه أن يوضع موضع التطبيق، وبدلاً من دفع الأمور إلى الأمام إذا بها تتجاهل كل ما جاء في برنامج الحكومة الفلسطينية الجديدة الذي قدمه رئيسها إسماعيل هنيه من اعتدال، ثم تقوم بلطم الخدود وشق الجيوب لأن إسماعيل هنيه تجرأ وذكر الكلمة المحرمة في خطابه حين تحدث عن «المقاومة» وخلا من اعتراف صريح بإسرائيل.
تغاضت الإدارة الأميركية عن أن «حماس» تشارك بل وتقود حكومة على أساس «إقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس» وهو ما كانت ترفضه لسنوات. وأنها وافقت ضمناً على التفاوض مع إسرائيل من خلال التأكيد على أن إدارة المفاوضات هي من صلاحيات منظمة التحرير ورئيس السلطة. كما أعلنت أنها ستعمل على الإسراع في إنهاء صفقة مشرفة لتبادل الأسرى وعودة المبعدين.
وفي الوقت الذي كان يفترض ان تنظر الإدارة الأميركية بإيجابية إلى إشارة البرنامج الحكومي الذي قدمه إسماعيل هنيه إلى قرار الأمم المتحدة رقم 194 الخاص باللاجئين الفلسطينيين باعتباره الإشارة الأولى من حماس إلى الالتزام بقرارات الأمم المتحدة التي كانت ترفضها قبل ذلك، يبدو أن رد الفعل هنا كان الانزعاج.. فواشنطن لا تريد من الفلسطينيين الالتزام بقرارات الأمم المتحدة لأنه يعني مطالبة إسرائيل أيضاً بالالتزام بها وهو أمر مستحيل!!
ولأنها تريد أن يكون الالتزام فقط بمطالب الرباعية ( التي هي في حقيقتها مطالب أميركا نفسها) لأنها تفتح الباب لحل يلبي المطالب الإسرائيلية حين يكون الأمر في النهاية محل تفاوض خاضع لموازين قوى مختلة لمصلحة إسرائيل ومحمية بانحياز أميركي ستزداد سطوته حين ينجو من الكارثة التي يواجهها في العراق ويترك آثارها للعرب يدفعون فواتيرها وحدهم !لكن المصيبة الكبرى ـ من وجهة نظر واشنطن ـ كانت في ذلك الذنب الذي لا يغتفر حين تحدث بيان الحكومة الفلسطينية عن .. « المقاومة !!»
صحيح أن البيان لم يذكر «المقاومة المسلحة» ولكنه أشار إلى الحق في «المقاومة بأشكالها ومنها الشعبية الجماهيرية ضد الاحتلال » ورغم أن الحكومة تعهدت في برنامجها العمل على «تثبيت التهدئة وتوسيعها لتصبح تهدئه شاملة ومتبادلة ومتزامنة في مقابل التزام الاحتلال الإسرائيلي وقف إجراءاته على الأرض»®.
إلا أن ذلك كله ـ رغم أهميته ـ لا يشفع للحكومة خطأها حين ذكرت الكلمة الحرام (!!) ونسيت أو تناست جهوداً أميركية متواصلة منذ أحداث سبتمبر على الأقل لكي تجعل كل مقاومة «إرهاباً»، وهو الأمر الذي استغله رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شارون ليقيم أوثق تحالف مع الصهيونية اليمينية المسيطرة على القرار الأميركي، وليقوم الرئيس بوش بتنصيب السفاح شارون واحداً من أبطال السلام (!!) وتتبنى الإدارة الأميركية الأجندة الإسرائيلية كاملة باعتبارها السياسة الأميركية في الشرق الأوسط .
كلمة «المقاومة» في بيان الحكومة الفلسطينية تعني التحدي لهذه الاستراتيجية الفاشلة ليس فقط في فلسطين، ولكن أيضا في العراق حيث الماكينات الإعلامية الأميركية ترفض الاعتراف بوجود المقاومة الوطنية الشريفة التي توجه رصاصاتها نحو المحتل وحده، وتركز أضواءها على جحافل الإرهابيين الذين جاء الاحتلال بهم في محاولة بائسة لتلويث سمعة المقاومة الوطنية أو للادعاء بأنه جاء إلى العراق ليحارب «القاعدة» وغيرها من المنظمات الإرهابية.
وهو يعلم أنها لم تكن موجودة قبل الغزو، ويدرك أنه فشل تماماً في طرح أكذوبة وجود علاقة بين النظام السابق للعراق وبين القاعدة، ليصبح المطروح الآن من جانبه أنه يحارب الإرهاب في العراق حتى لا يحاربه في نيويورك، وهي أكذوبة فيها من العنصرية بقدر ما فيها من الاعتراف بجريمة ينبغي أن يعاقب مرتكبوها باعتبارهم مجرمي حرب حقيقيين.
وفي هذا المناخ تلتئم القمة العربية.. لتجد أمامها موقفاً إسرائيلياً يرفض السلام، ويريد أن يكون حديثه (مجرد الحديث) عن المبادرة العربية طريقاً للتطبيع المجاني مع الدول العربية !! داعياً إلى التطبيع أولا ثم السلام حين ميسرة (!!) وبعد التهام القدس ونصف الضفة وإلغاء أي حديث عن عودة اللاجئين !!
وستجد القمة أمامها موقفاً أميركياً يتحدث عن دعم الاعتدال العربي، فإذا قامت حكومة فلسطينية تجسد الاعتدال أفضل تجسيد أعلن مقاطعته لها، وبدأ في ممارسة الضغوط على روسيا ودول أوروبا لمنعها من فك الحصار الظالم المفوض على الشعب الفلسطيني لأنه صدق العالم «المتحضر» ومارس الديمقراطية بطريقة اعتراف الجميع بنزاهتها.
والمعنى الحقيقي الذي يجسده الموقف الأميركي ان «الاعتدال» المطلوب هو التسليم بكل ما تريده واشنطن، والتي لا يهمها إلا تأمين مصالحها ومصالح إسرائيل، وتريد خروجاً مشرفاً من العراق تترك فيه الدول العربية تتحمل تبعات الجريمة الأميركية ضد شعب العراق.. بينما تتفرغ هي لتأمين السيطرة على ثروات العراق البترولية، وتنظيم وجودها العسكري في المنطقة، وحل الصراع مع إيران التي بدأت التفاوض معها، وتأمين إسرائيل في مرحلة الانسحاب الأميركي من العراق وما سيفرضه من تغيرات في المنطقة.
ورد القمة ينبغي أن يكون إدانة واضحة للموقف الأميركي ـ الإسرائيلي، مع تحميل واشنطن مسؤولية إهدار الفرصة المواتية بوجود طرف فلسطيني معتدل يحظى بإجماع الشعب الفلسطيني، ووجود موقف عربي مازال ـ رغم جرائم إسرائيل وخطايا السياسة الأميركية ـ متمسكا بمبادرة بيروت التي داسها شارون بدباباته في نفس يوم صدورها وأهملتها الأداة الأميركية لخمس سنوات، قبل أن تكتشف الآن فقط ـ وبعد الفشل الأميركي في العراق ـ أنها أمر يمكن البناء عليه.
رد القمة العربية لا ينبغي فقط أن يقف عند إعادة طرح المبادرة والتمسك بعدم تعديلها، بل المهم ـ كما سبق أن أشرنا- أن توضع الإدارة الأميركية والحكومة الإسرائيلية أمام مهلة محدودة للتحرك، وإلا فسيكون الموقف كله رهن إعادة النظر بما فيه مستوى العلاقات مع الدول التي اعترفت بإسرائيل.
ورد القمة ينبغي ان يضع خطة للتحرك مع روسيا والدول الأوروبية لكسر الحصار على الشعب الفلسطيني، والاهم ان يتذكر القادة العرب ان هناك قراراً سابقاً لوزراء الخارجية العرب بكسر الحصار لا ينبغي ان يظل مجمداً على الإطلاق بعد الآن.
فلنعلن عن كسر الحصار بعد مهلة قصيرة ليتحمل الجميع مسؤوليته. ولنعلن أن علاقاتنا الاقتصادية بدول العالم سوف تتأثر بموقفها من هذا الحصار الظالم على الشعب الفلسطيني وبموقفها من عدم انصياع إسرائيل للشرعية الدولية، وليكن سؤالنا واضحاً ومحدداً للآنسة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية التي تستبق القمة باجتماع مع أربعة من وزراء الخارجية العرب: تريدون من الحكومة الفلسطينية اعترافاً واضحاً بدولة إسرائيل، فهل انتم وإسرائيل مستعدون في نفس الوقت للاعتراف بدولة فلسطين في حدود 67 وعاصمتها القدس وبحقوق اللاجئين الفلسطينيين كما حددتها القرارات الدولية ؟!
ولتكن الإجابة هي الطريق ليعرف من لا يعرف: هل هناك رغبة أميركية جادة في تسوية عادلة للقضية الفلسطينية.. أم أن المطلوب فقط شراء الوقت حتى تعيد أميركا ترتيب أوضاعها في المنطقة بعد الخروج من العراق ؟؟
نقيب الصحافيين المصريين