عقب توقيع روسيا وبلغاريا واليونان اتفاقية تشييد أنبوب لنقل النفط عبر البلقان، اعتبرت الأوساط السياسية الأوروبية أن روسيا بدأت تحكم قبضتها على قطاع الطاقة في أوروبا، خاصة أن هذا الأنبوب يوفر الإمكانية لاختصار طرق نقل النفط عبر مضيق البوسفور، ويمنح الشركات الروسية إمكانية النقل المباشر إلى البحر المتوسط وأوروبا.

ويبلغ طول الأنبوب الذي سيتم تشييده لنقل النفط من ميناء بورجاس البلغارى إلى ميناء الكسندروبوليس اليونانى 280 كم، أما طاقة ضخ النفط عبر الأنبوب فتتراوح بين 35-50 مليون طن سنويا، كما تصل تكاليفه إلى مليار دولار. ويتضمن المشروع تشييد خزانات ومحطات ضخ في المرفأين. ووفق الاتفاقية الموقعة ستقوم الدول الثلاث بتأسيس شركة دولية، تكون حصة روسيا فيها 51%، بينما ستكون حصة كل من اليونان وبلغاريا 5, 24% .

ولعل هذا المنطق من الجانب الاقتصادي يقترب من الصواب، وهو ما يعبر عن دقة الدراسات الروسية للجدوى الاقتصادية. باعتبار أن نفقات مرور ناقلات النفط عبر مضيق البوسفور سنويا تصل إلى مليار دولار، ويستغرق مرور هذه الناقلات حوالي 10 أيام.

وإذا كانت روسيا تحتاج لهذا المشروع لأنها تقوم بتوريد ثلث احتياجات أوروبا من النفط، فإن العديد من المحللين الغربيين اعتبر هذا المشروع خطوة جديدة في محاولات الكرملين إحكام قبضته على السياسة الأوروبية.

وبالرغم من أن محرك السياسة هو الاقتصاد، فإن روسيا لديها كامل الحق في تقليص نفقات صادراتها النفطية، خاصة أن هذا المشروع لن يقتصر على زيادة أرباح الشركات الروسية، وإنما سيحقق عائدات سنوية لبلغاريا تزيد عن ملياري دولار، وسيؤدى لتخفيض أسعار الواردات النفطية لأوروبا.

ويبدو واضحا أن هذه الاتفاقية تثير قلق العديد من القادة والسياسيين الأوروبيين تحت عنوان مخاطر تبعية أوروبا في مجال الطاقة لروسيا، وهو ما يدفع هذه الأوساط للتعامل مع هذه الاتفاقية بحذر لأنها تزيد من تبعية الغرب لمورد الطاقة الروسي، بينما لا ترى موسكو أن هذا المفهوم يستند لأساس من الصحة في الواقع، وتعتقد انه يهدد مصالح روسيا وأوروبا في آن معا.

ويحذر البرلمان الأوروبي مما يعتبره مخاطر الوقوع في شراك التبعية لروسيا، باعتبار أن الشركات الروسية تقدم لأوروبا أكثر من ثلث احتياجاتها من الغاز والنفط، وتسيطر على شبكة نقل الطاقة من آسيا إلى أوروبا.

ومما لاشك فيه أن توسع نشاط شركة (غاز بروم) يزيد من قلق الأوروبيين، خاصة بعد أن اتخذت خطوات في صفقة شراء شركة «سنتريكا» البريطانية، التي توفر الغاز لأكثر من 12 مليون مستهلك، ومليون مؤسسة صناعية في بريطانيا.

وبعد أن أنجزت (غاز بروم) صفقة شراء 7% من رأس مال شركة «جالب انريجيا» البرتغالية، التي حصلت على حق توريد 8 مليارات مكعب من الغاز الجزائري إلى أوروبا، عبر خط أنابيب «ميد غاز» الذي سينقل الغاز الجزائري إلى البرتغال وفرنسا.

وفي هذا السياق جاء اتفاق شركتي غازبروم وسوناطراك الجزائرية، والتي ستحصل «غازبروم» بموجبها على حصتها في أنبوب الغاز «جالسي» الذي سيمر جزئيا عبر قاع البحر المتوسط ومن خلال أراضي جزيرة سيردينيا الذي يجري مده من حقول الغاز الجزائرية إلى إيطاليا.

إضافة إلى إمكانية انضمام الشركة الروسية إلى كونسورتيوم يتولى مد أنبوب الغاز «ميدجاز» من الجزائر إلى إسبانيا،كما تدور مفاوضات بين الجانبين حول التعاون لتشييد مصنع لتسييل الغاز في روسيا. حيث تحتاج «غاز بروم» إلى شريك يساعدها على إنشاء مصنع على شواطئ بحر البلطيق، سيتم تصدير إنتاجه إلى أميركا الشمالية.

وتجدر الإشارة إلى أن الجزائر تمتلك سابع أكبر احتياطيات من الغاز في العالم يقدر بحوالي 4600 مليار متر مكعب، وبلغ إنتاج الجزائر خلال العام الماضي أكثر من 87 مليار متر مكعب، تم تصدير 76% منه، حيث حصلت على نحو 61 مليار متر مكعب من الغاز 5 ,69% من إنتاج الجزائر. وأعلنت شركة سوناطراك أنها تنوي رفع الصادرات إلى أسواق الاتحاد الأوروبي إلى 84 مليار متر مكعب خلال عام 2010.

وقد اعتبر العديد من المحللين الأوروبيين كلمة نائب رئيس مجلس إدارة شركة «غازبروم» الروسية الكسندر ميدفيديف في مؤتمر دولي عقد في برلين تحت شعار «حوار الطاقة بين روسيا والاتحاد الأوروبي» في بداية الصيف الماضي تهديدا لأوروبا إذا ما حاولت تجاهل قوانين السوق والاقتصاد الحر بهدف محاصرة نشاط (غاز بروم) في الأسواق الأوروبية،

بالرغم من أنه كان حريصا على التأكيد على أن روسيا تعتبر شريكا مضمونا في مجال تصدير الغاز إلى أوروبا، مؤكدا أن شركة «غازبروم» قادرة على تنفيذ العقود الخاصة بتصدير الغاز إلى أوروبا بدون استخدام غاز آسيا الوسطى.

ألا أن الأوساط الأوروبية مازالت تشعر بالقلق من التوجهات الروسية في تسويق منتجاتها من موارد الطاقة، باعتبار أن موسكو ترفض المصادقة على ميثاق الطاقة الأوروبي وتعتبره يضر بمصالحها الوطنية، حيث تطالب موسكو أولا بأن يمدد الميثاق العمل بالعقود الطويلة الأجل ويخلو من مطالبة روسيا بفتح خطوط أنابيبها أمام الأجانب من دون ان تحصل الشركات الروسية على شيء في مقابل ذلك. بل يدعو الكرملين إلى توقيع اتفاقية جديدة لتنظيم العلاقات بين روسيا والاتحاد الأوروبي في مجال أمن الطاقة.

ومما لاشك فيه أن توسع نشاط الشركات الروسية كان لا بد أن يوجه حملة متصاعدة في أوساط الرأي العام الغربي حول ضرورة تقليل الاعتماد على روسيا في توفير الطاقة اللازمة للمستهلك الأوروبي، استنادا لمفهوم تروجه الاحتكارات الغربية مفاده أن موسكو تستخدم الطاقة كأداة لتحقيق أغراضها السياسية.

ولكن يبدو أن الاتحاد الأوروبي هو الذي يستخدم الطاقة كأداة سياسية،لان توجيه هذه الاتهامات إلى الشركات الروسية التي تبذل جهودها لزيادة عائداتها من استثماراتها في قطاع الطاقة،ما هو إلا محاولة غير نزيهة لكسر المنافسين عبر إطلاق الشائعات والأكاذيب التي تؤثر على توسيع مجالات عملهم، بعد أن فشلت الشركات الأوروبية في أن تقدم مشروعات مثمرة اقتصاديا، وان تحقق عائدات مرتفعة من استثماراتها في نفس القطاع، فبدأت تلجأ إلى هذه الشائعات في محاولة لإقحام السياسة في منافسات السوق الحر.

من المؤسف حقا أن يفشل المدرس في الالتزام بالقواعد والقوانين التى يعلمها لتلاميذه، كي يلتزموا بها في حياتهم العملية. إذ كثيرا ما يتحدث الخبراء في أوروبا والولايات المتحدة عن إطلاق الحريات، وعدم تدخل الدولة في اقتصاد السوق، وحرية المنافسة التجارية. وما أن وصلت هذه المنافسة لتراجع في مواقع ونفوذ الشركات الغربية حتى تحركت آلة إعلامية هائلة، وآليات سياسية بقوة وبدأت تكيل الاتهامات، وتناقش سبل فرض العقوبات وإمكانية فرض حصار على المنافسين.

مركز دراسات الطاقة

روسيا