يبدو أن رئيس الوزراء البريطاني توني بلير قد اختار طريقة الرئيس الأميركي في الإدلاء بالتصريحات حول الأوضاع في العراق . وإذا تساءلتم عن هذه الطريقة فهي ببساطة كلام يجعل من يقرأه أو يسمعه يبكي ويضحك في آن واحد. بلير في آخر مقابلة له مع قناة سكاي نيوز قال إن العراق لا يشهد حربا أهلية لكنه يمر بـ «أوضاع مأساوية» بسبب العدد الكبير للقتلى الذين سقطوا نتيجة أعمال العنف.

وكنت أتمنى أن يتوقف بلير عند هذا الحد ولكنه استمر وأضاف...«لسنا مسؤولين عن تفاقم الأوضاع، إنها (المنظمات الإرهابية) المسؤولة عن تدهور الأوضاع..الجنود البريطانيون والأميركيون أنجزوا عملا ممتازا في العراق وقدموا تضحيات كبيرة. أما الجملة التي أبكتني فعلا فهي : «لا اشعر بأي أسف لقوة تحالفنا مع الولايات المتحدة أو لوقوفنا إلى جانب الرئيس الأميركي أو الشعب الأميركي بعد اعتداءات 11 سبتمبر (2001). لن افعل ذلك أبدا» .

كلام بلير أتى قبل أيام من الذكرى الرابعة لبدء الحرب على العراق في 20 مارس 2003. تلك الذكرى التي أتمنى أن يتذكر بلير فيها كيف كان العراق وكيف كانت بغداد عشية واحدة من أكثر الحروب همجية في التاريخ. فعلى بلير أن يتذكر أن الجماعات المسلحة التي يحملها اليوم مسؤولية القتل المأساوي في العراق حسب تعبيره لم يكن لها مكان في العراق وان وجودها جاء بعد أن تركوا أبواب العراق مشرعة للإرهاب،

وبعد أن قاموا هم أنفسهم بجلب قادة الميليشيات التي تسبب الفوضى اليوم معهم وعلى دباباتهم لكي يسهلوا لهم فتح أبواب بغداد، ويسيروهم حسب هواهم وضد من يريدون. إلى أن اكتشفوا هم قبل غيرهم أنهم لم يكونوا سوى أدوات لكي تحقق تلك الميليشيات والجماعات الإرهابية المسلحة والدول التي تدعمها ـ أهدافها وتستخدمهم كأدوات لتشويه وضرب المقاومة العراقية الحقيقية.

بلير لم يكتف بالكذب على حكومته وشعبه فأصبح اليوم يمارس هواية بوش المفضلة بالكذب على نفسه فيعتبر أن قواته والقوات الأميركية قامت بعمل (ممتاز) في العراق!! وكنت أتمنى أن بلير اكتفى (بجيد) (أو متوسط)، فكان جريئا في منح الامتياز لعمل تلك القوات ولكنه لم يجرؤ على شرح ملامح الامتياز في العمل الذي قامت به تلك القوات.

هل يتجسد في قتل المدنيين العزل في الفلوجة والرمادي وحديثة، أم في اغتصاب النساء في سجن أبوغريب وفي المحمودية، أم في القتل العشوائي والتعذيب في سجون البصرة نطاق تخصص القوات البريطانية، أم في كل الدمار وكل الخراب من أقصى العراق إلى أقصاه، أم في هروب آلاف العراقيين وتشردهم في أمصار العالم خوفا على أنفسهم وأطفالهم وأهلهم من القتل بكل الأشكال والتعذيب والاعتقال العشوائي والاغتصاب والانتقام،

كما يجري في بغداد وسائر العراق الذي لم تنجح كل الخطط الأمنية والعمليات العسكرية ذات المسميات الهوليوودية والمدعومة بالأفكار الانجليزية العبقرية في أن تحل مشكلة واحدة من ملايين المشاكل المستعصية التي جاءت مع القوات البريطانية والأميركية التي تعمل بشكل (ممتاز) في العراق.

وربما بسبب لقاءاتهما واتصالاتهما المستمرة يبدو أن بلير أصيب بداء العمى السياسي الذي أصيب به بوش من قبل فأصبح لا يرى أن هناك حربا أهلية في العراق وهنا لم نضحك من كلام بلير بل بكينا ..لأننا عرفنا أن أسوأ ما في كارثة احتلال العراق هو أن من يحتل العراق مصاب بالعمى السياسي إلى درجة انه لا يعي خطورة الأوضاع والى أي مدى وصل الصراع الطائفي الذي لم يعرفه العراقيون قبل أن يجلبه أحفاد سياسة فرق تسد.

وبالتالي إذا كان من يحتل العراق لا يعرف أن في العراق ما هو اخطر من أنواع الحروب الأهلية التي عرفها التاريخ العالمي ولا يعرف أن جنوده لا يقومون إلا بالكوارث والحماقات وان اكبر واخطر أخطاء بريطانيا التاريخية هي أنها ساندت الولايات المتحدة في احتلالها للعراق، إذن لابد أن نبكي بدموع من دم ونار على العراق الذي ذهب سدى وضاعت قضيته كما ضاعت الكثير من قضايا امتنا.

نعم قد يكون كلام بلير مضحكا ومبكيا، عن العراق وعن أداء قواته والقوات الأميركية (الممتاز) وعن عدم وجود حرب أهلية في العراق وعن عدم مسؤولية بريطانيا والولايات المتحدة عن المأساة في العراق. ولكن الموضوع الأكثر خطورة هو أن بريطانيا بلد عريق ويحمل بين طيات تاريخه الكثير من الشخصيات التي أغنت الإنسانية بالفكر والمنطق والانجازات التي مهدت للحضارة المعاصرة.

وهو اليوم يضم الكثير من المنصفين الذين يرفضون جملة وتفصيل العدوان والحرب والإساءة على الشعوب والحضارات الأخرى. وعليه فإن هذا البلد لا يستحق من بلير تلك الجمل السطحية التي لن تبرئه أو تنقذ موقفه السياسي المتداعي.

ولا يستحق أن تسوء حالة التبعية البريطانية للسياسة الأميركية لتصل إلى مستوى تبني أفكار السيد بوش وطريقته في تبرير الكوارث التي زلزلت المنطقة. والأفضل لتوني بلير وبوش أن يتوقفا عن الكلام بهذه الطريقة بعد إصابتهما بداء الكذب على الذات والعمى السياسي عن الحقيقة التي قد تقتلنا بطريقة أبشع من الأداء (الممتاز) للقوات البريطانية والأميركية.

كاتبة عراقية