لاشيء يحدث بالصدفة، هذه واحدة من مسلمات العقل والمنطق، لا الهوية تضيع بالصدفة، ولا التركيبة السكانية في أي بلد تختل بالصدفة، ولا سقف الحريات العامة يتراجع بطريق الصدفة، ولا شيوع ثقافة سلبية بين الناس في المجتمع كثقافة الصمت أو الخوف أو اللامبالاة بالشأن العام يحدث أيضاً بالصدفة..

ولذلك فمما يدعو للاستغراب اليوم أن يتحدث البعض عن هذه القضايا على اعتبار أنها من الإشكالات التي لا حل لها وبأن علينا التعايش معها وفق منطق الإقرار بالأمر الواقع، في حين أنها في الفترة التي كانت تتأسس فيها لم نسمع هؤلاء الأشخاص يدلون بكلمة واحدة في قضايا التركيبة أو الهوية أو الحريات العامة!!

اليوم يحاول البعض أن يكون جزءاً من صناعة واقع، فيه الكثير من السلبيات في الإعلام الإماراتي، يحاول البعض أن يقر هذا الواقع، أن يؤطره ويشرعه ويشرعنه أيضاً.

ليس شرطاً أن تكون صاحب قرار أو مشرعاً لكي تصنع هذا الواقع، لكن مجرد الموافقة عليه، وعدم مناقشته ومجادلته يشكلان مشاركة في تنميته وتقويته، إن الإعلام عندنا يحتاج إلى وقفة حقيقية فيما يتعلق بهامش الحريات وحقوق الصحافيين وشرف المهنة وأخلاقياتها، وان سكوت الجسد الإعلامي وعدم مناقشته للأمر بشكل صريح وشفاف يدفعان بقوة لصالح انخفاض سقف الحريات وتراجع الهامش الذي تحدث عنه ذات يوم سمو الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية عندما كان وزيراً للإعلام.

نعم هناك هامش من الحريات في الإعلام، وقد كان مستغلاً أحياناً، ومهملاً أحياناً كثيرة لأسباب تعود لبعض الإعلاميين أنفسهم، إما لعدم وعيهم وإما لخوفهم أو لعدم مبالاتهم أو لمصالحهم أيضاً، لكن الانسياق وراء هذه اللامبالاة ووراء هذا التنازل هو الذي يجعل الإعلام لا يفتح الملفات الساخنة والحيوية بشفافية وصراحة، وبالتالي هو الذي يراكم السلبيات حتى تصير فيما بعد ظواهر وإشكالات خطيرة، سيأتي من يُفتي لنا مستقبلاً بأننا يجب أن نتقبلها وان نتعايش معها لأنها صارت واقعاً حتمياً!!

لقد حاول بعض الصحافيين أن يحولوا دفة هذا الواقع الذي أراد أن يفرضه البعض من مركز القوة باتجاه أفق أوسع، وحريات أكثر، ووجدوا من النكران الشيء الكثير، هناك من استبعد من مؤسسته وهناك من ألغي دوره، وهناك من تم التضييق عليه وتطفيشه ليتأسس واقع الخوف على لقمة العيش وتالياً ثقافة الصمت،

لكن هذا الواقع هو الأخطر على الإعلام تحديداً، فلا إعلام بدون حرية ولا عبقرية بدون حرية، تماماً كما قال صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم حين عرض إستراتيجية دبي تلك العبارة المؤثرة والموجزة وذات الدلالة «اعطني حرية أعطيك إبداعاً».

sultan@dmi.gov.ae