وسطي ومتطرف. كيف؟! هذا يتطلب شرحاً. أعلن المجلس الدستوري للجمهورية الفرنسية، أي السلطة الدستورية الأعلى في البلاد، قبل أيام أسماء المرشحين الاثني عشرـ كانوا 16عام 2002 ـ الذين يحق لهم خوض المعركة الانتخابية الرئاسية التي ستجري دورتها الأولى بعد حوالي شهر من الآن.
وينص الدستور الفرنسي النافذ على شرط حصول كل مرشح للرئاسة على الموافقة الخطيّة لخمسمئة من أعضاء المجالس البلدية الذين كان الشعب الفرنسي قد انتخبهم كممثلين له على ترشيحه من أجل إدراج اسمه بين أولئك الذين سيتم اختيارهم عبر صناديق الاقتراع. تجري الانتخابات الرئاسية في فرنسا على دورتين يفصل بينهما أسبوعان ويتنافس في الدورة الثانية «الحاسمة» المرشحان اللذان ينالان أكبر نسبة من أصوات الناخبين في الدورة الأولى.
إن فرنسا تعرف «تاريخيا» منذ الثورة الفرنسية الكبرى عام 1789 سيطرة تيارين عريضين على الحياة السياسية. يمين يحكم ويسار يعارض. كانت هناك بعض الاستثناءات التي تؤكد القاعدة ولا تنفيها مثل وصول الجبهة الشعبية بقيادة «ليون بلوم» إلى السلطة عام 1936. القطيعة الحقيقية التي قلبت «المعادلة» السائدة ودفعت اليسار إلى الحكم كانت بوصول فرانسوا ميتران الاشتراكي إلى السلطة عام 1981. قلبت «المعادلة» السائدة وإنما بقي حدّاها هما اليمين واليسار.
اليوم تهتز هذه «المعادلة» أمام تهديدات الزحف «الصاعد» لمرشح تيار الوسط في الحملة الانتخابية الرئاسية، فرانسوا بايرو الذي أعلن «تمرده» ضد «احتكار السلطة بين اليمين واليسار»، بل وأعرب عن «تطرفه» في التمسك بهذا الموقف.
كان «بايرو» قد بدأ حملته الانتخابية وهو لا يتمتع بتأييد سوى نسبة تقارب الـ 6 بالمئة من أصوات الناخبين الفرنسيين، كما دلّت جميع استطلاعات الرأي. كانت نسبة «متواضعة» لا تؤهله سوى إلى احتلال «مرتبة» بين المرشحين «الصغار».
وكانت نسبة «متواضعة» أيضا بالقياس إلى «جان ماري لوبن»، زعيم اليمين الفرنسي المتطرف، الذي كان يحظى في نفس الفترة بتأييد حوالي 15 بالمئة من الناخبين الفرنسيين. وللتذكير كان «لوبن» هذا قد خاض الدورة الانتخابية الرئاسية الثانية في فرنسا عام 2002 ضد الرئيس الحالي «لأسابيع أيضا» جاك شيراك.
وفي مطلع شهر يناير ـ 2007 أظهرت استطلاعات الرأي التي تزداد «كثافة» مع اقتراب المواعيد الانتخابية نسبة 10 بالمئة من المؤيدين لفرانسوا بايرو ثم حوالي 15 بالمئة في شهر فبراير ووصولا إلى حوالي 23 بالمئة في مطلع شهر مارس، كي تتراجع هذه النسبة إلى حوالي 21 بالمئة عند كتابة هذه الكلمات. لقد دخل بايرو إذن إلى «ملعب الكبار» واحتل مرتبة «الرجل الثالث» مخلّفا وراءه، وعلى مسافة بعيدة، جان ماري لوبن، الذي لم يتقدم بل «تقهقر».
بالتوازي مع الصعود في استطلاعات الرأي، انتقل الاهتمام بفرانسوا بايرو في وسائل الإعلام من «الصفحات الداخلية» إلى «الأولى». واحتلّت صوره أغلفة أشهر المجلات الوطنية الفرنسية، مع عناوين مثل «بايرو إلى أين؟» أو «بايرو اللغز» أو «بايرو رئيسا؟» أو «ماذا لو كان هو؟».
إشارات الاستفهام هذه كلها تخص «المخبوء» لكنها تؤكد صعود ذلك الذي لم يكن منذ أسابيع قليلة سوى ممثل «ثانوي» يحاول أصحاب الأدوار الرئيسية كسب ودّه وبالتالي أصوات ناخبيه عند «ساعة الحسم» في الدورة الثانية، إلى موقع مرشح لدور «البطولة». باختصار بدا صعود بايرو مثل «تسونامي» غيّر معالم الخارطة الانتخابية كلها.
لماذا صعد بايرو؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تكون هي الأهم. الحقيقة الأولى التي تبرز أمام العيون هي أن الفرنسيين يريدون التغيير وأنهم قد سئموا من الاستقطاب الثنائي، اليميني واليساري، للسلطة. لم يعودوا يريدون «إصلاحا» وعدهم به أصحاب القرار الذين تناوبوا على الحكم طويلا ولكنه «لم يأت». إنهم يريدون «التغيير» أو على الأقل يريدون أن يلوّحوا بـ «سيفه» كي يعبروا عن «غضب» دفين وعميق.
إن قراءة سريعة للعمليات الانتخابية الفرنسية منذ عقدين من الزمن تبيّن أنها قد عرفت كلها «اقتراعا احتجاجيا» ضد النظام القائم، أو على الأقل ضد سلوكيات القائمين عليه. هكذا لم يحصل جان ماري لوبن، زعيم اليمين المتطرف في الانتخابات الرئاسية الفرنسية لعام 1981 سوى على أقل من نسبة 1 بالمئة من الأصوات. لكن نسبة ناخبيه، أو ناخبي حزبه، وصلت فيما بعد إلى حوالي 15 بالمئة، ولا تزال.
اليمين المتطرف أراد دائما أن يجمع حوله أصوات «المحتجّين» على ما هو قائم بالذهاب أبعد «يمينا»، والأمر نفسه بالنسبة لليسار المتطرف بالذهاب أبعد «يسارا». فرانسوا بايرو، أعلن أنه يريد الذهاب «أبعد» عن اليمين وعن اليسار بل و«التطرف» في رفضهما كقطبين مهيمنين على السلطة.
ولكنه أراد بالمقابل «استقطاب» الشرائح والشخصيات التي قد تتعاون معه فيهما، وذلك باسم الوصول إلى «وحدة وطنية» حقيقية تمثل أغلبية المجتمع وتخرج بالبلاد من الوضع «المأزوم» الذي وجدت نفسها فيه. إنه يبحث عن «توليفة» على شاكلة تلك التي تعرفها ألمانيا اليوم بوجود حكومة ائتلاف وطني يميني-يساري بقيادة السيدة انجيلا ميركل.
لا شك أن بايرو، إذا فاز في الرئاسة، سيجد من يتعاون معه من معسكري اليمين واليسار. فللسلطة دائما «قوة جذبها»، التي قد تصعب «مقاومتهما». ألم يكن الملك البروتستانتي هنري الرابع قد قبل أن يغيّر معتقده ويصلّي القداس في إحدى كنائس باريس كشرط لتتويجه عليها وحيث قال يومها كلمته الشهيرة «حكم باريس يستحق جيدا قداسا كاثوليكيا». فماذا يمكن أن يقال حول تغيير «مجرّد» المعسكر السياسي؟!
إن بايرو يبدو وكأنه على رأس «جبهة رفض» لآليات النظام القائم، وميزته الأساسية أنه يتحدث لغة صراحة ووضوح مع الناخبين دون أن يقدّم الوعود في كل الاتجاهات كما يفعل الآخرون، ولا يخفي المشاكل والعقبات. بل أكد قوله: «سوف أقول كل يوم الحقيقة لنساء بلادي ورجالها، ولن أغلق أبواب الاليزيه على نفسي»... هذا إذا فاز.
وإذا «فاز» فسيكون ذلك بمثابة «انقلاب» بل «ثورة»... الفرق هذه المرة أنها ستكون تحت قيادة «ثائر» بربطة عنق أنيقة. الوسطية نقيض للتطرف، بالتعريف لكن الواقع ليس دائماً كذلك
كاتب سوري