أرني النقود أو على الأقل بعض الإيصالات المحررة على ظهر مظاريف قديمة أو أكياس بقالة! تم إطلاعنا، مؤخراً، على مشهد المسؤول المدني الأميركي الأول عن العراق السفير بول بريمر وهو يتلوى على مقعد ساخن فيما هو يحاول بنجاح محدود أن يفسر ما فعله بـ 363 طناً من الأوراق النقدية فئة المئة دولار حديثة الطباعة التي كان قد نقلها جواً إلى بغداد، ذلك هو مبلغ 12 مليار دولار أميركي،
ولا يعرف أحد، وبصفة خاصة بريمر، أين ذهب هذا المبلغ. ربما يكون ذلك من قبيل الأساطير الحضرية، لكن السيناتور الراحل إيفريت ديركسن ينقل عنه على نطاق واسع قوله: «مليار هنا، مليار هناك، وسريعاً ستتحدث عن المال الحقيقي». وإذا لم يكن قد قال ذلك، فإنه كان ينبغي أن يقوله.
قال بريمر، الذي نال وسام الحرية الرئاسي عن دوره في الإهدار الكامل للعامين الأوليين من الاحتلال العراقي: إن الكثير من هذا المال تم تسليمه إلى وزارات الحكومة العراقية لتلبية متطلبات كشوف الرواتب التي يحتمل أن تكون مزورة أو تم التلاعب فيها، وقال ستيوارت بوين المفتش العام للعراق الذي انتدبته وزارة الدفاع: إن عملية التدقيق التي تم إجراؤها عام 2005 قد أسفرت عن التوصل إلى أن كشف الرواتب في بعض الوزارات كان 90 % من الأسماء المدرجة به هم من «الموظفين الأشباح»،
بمعنى أنهم أناس لا يعملون هناك أو ربما لا وجود لهم حقاً، قال بريمر: إنه قد خلص إلى ضرورة تقديم المال لتلبية احتياجات كشوف الرواتب على أي حال، فهو مال عراقي- عوائد نفطية وحسابات مصرفية صودرت من حكومة صدام حسين- كنا نحتجزه في صندوق مخصص لذلك.
ليس بمقدوري التفكير في فترة من التاريخ الأميركي جلسنا خلالها متكاسلين بينما 12 ملياراً تختفي من دون أثر ورقي ومن دون أن تطير رؤوس أو يودع أحد في السجن، وكل ذلك كان يحدث في وقت من الحرب كان الجنود ورجال البحرية الأميركيون يمضون من دون سيارات مدرعة بشكل مناسب ومن دون سترات واقية بل ومن دون بعض الأسلحة التي يحتاجونها.
ما الذي يقتضيه الأمر لكي يحدث رد الفعل المناسب من جانب الشعب الأميركي؟ متى نبدأ في إدراك أن هذا لا يعدو وأن يكون الجزء الطافي من جبل جليد الغش والإهدار وإساءة الاستعمال والفساد الذي تم ارتكابه على نطاق هائل من جانب إدارة بوش ورجالها من المتعاقدين العسكريين والمتعاونين معهم في الكابيتول هيل؟
إن تكلفة هذه الحرب تتصاعد بسرعة نحو التريليون دولار. كم من هذا المبلغ ابتلعه الغشاشون والمتعاقدون غير المؤهلين وشركات الدفاع الشرهة والمحتالون العراقيون في حكومة أوجدناها ووضعنا السلطة في أيديها؟ لم يسأل أحد في جلسات الاستماع بالكونغرس بعد بريمر أو المفتش العام كم من مبلغ الـ 12 مليار دولار هذا الذي تم تسليمه إلى المتعاقدين الأميركيين في بغداد على الرغم من أن ذلك السؤال يبتهل لكي يتم طرحه والرد عليه.
خلال أيام الحرب العالمية الثانية السوداء، قام الكونغرس بإنشاء لجنة خاصة بالتربح من الحرب، وأسند المسؤولية عنها لسناتور غير معروف من ميسوري هو هاري.إس. ترومان. وقد كان ترومان، وهو من قدامى المحاربين في الحرب العالمية الأولى، صارماً ومدققاً في إدارته لعمل اللجنة، لم تطارد لجنته من سرقوا المال فحسب، وإنما طاردت كذلك أولئك الذين قدموا معدات وإمدادات معيبة أو لا قيمة لها لقواتنا.
وكانت لديه سلطة إغلاق الشركات أو المؤسسات التعاقدية التي ثبت تورطها، وهذا هو ما قام به. أين لجنة ترومان زماننا؟ أين الممثلون الشرفاء للشعب المكلفون بحراسة قواتنا ومالنا؟ لقد أهدرنا 600 مليار دولار على حرب نخسرها يوماً دموياً وراء الآخر، في وقت يقدم رئيسنا موازنة اتحادية تخفض الإنفاق على الرعاية الصحية لتجد المليارات للمزيد من تلك الحرب.
ويتباهى صانع القرار في البيت الأبيض بأننا إذا مضينا بالأمور على طريقته فإن أغنى أفراد أميركا لن يضطروا إلى دفع دولار واحد إضافي في صورة ضرائب، وفي غضون ذلك فإن ممثلي الشعب على الجانبين يجمعون المساهمات التي يحتاجون إليها لإعادة انتخابهم وذلك بوضع أنفسهم في جيوب الأثرياء اللصوص الذين يفترض أن يحققوا معهم ويراقبوهم ويدققوا بشأنهم.
خدمة «لوس أنجلوس تايمز» خاص ل«البيان»