هذا بالضبط ما يبحث عنه كل عربي وفلسطيني غيور وهو حكومة وحدة وطنية قوية وصلبة،فبعد مخاض عسير ومفاوضات ومساومات بين حركتي «حماس» و«فتح» خرجت حكومة فلسطينية للنور برئاسة اسماعيل هنية «ابو العبد» رئيس وزراء الحكومة السابق وبمشاركة بعض الفصائل الفلسطينية والمستقلين،
لتصبح الحكومة رقم «11» منذ قيام السلطة الوطنية الفلسطينية وفقا لاتفاقية «اوسلو المشؤومة» الموقعة في 13 سبتمبر 1993، ولتكون الحكومة الثانية التي تشكلها حركة المقاومة الإسلامية «حماس» بناء على فوزها في الانتخابات التشريعية التي حازت فيها على أغلبية مقاعد المجلس التشريعي قبل أكثر من عام.
أجواء التفاؤل المشوب بالترقب والحذر كانت سائدة والأنظار مصوبة حدب شاشات القنوات الفضائية وهي تنقل عبر دائرة تلفزيونية متصلة أو ما يعرف «بالفيديو كونفرانس» في آن واحد بين غزة ورام الله لمتابعة تصويت أعضاء المجلس التشريعي في المدينتين وهم يمنحون ثقتهم الساحقة للحكومة الجديدة حيث أدى بعدها رئيس الوزراء وأعضاء حكومته يمين القسم أمام محمود عباس «ابو مازن».
لكن إلى أي مدى سيستمر هذا التفاؤل وفي الأفق تلوح غيوم سوداء «إسرائيلية» وأميركية وحتى من بعض الأطراف والعناصر الفلسطينية والعربية التي تحب العيش في الخراب والعتمة كالبوم والخفافيش وتحب الصيد في الماء العكر ،
وهذا ليس تشاؤما وإنما محاولة لعدم الجري وراء الوهم أو السراب خصوصا وان الحكومة الجديدة إمامها ملفات كثيرة عالقة واستحقاقات محلية وإقليمية تنتظر الحلول والإجابات الشافية بدون مواربة أو تأجيل مثل كل ما يمكن أن يدعم حكومة الوحدة الوطنية ويعزز قوتها مثل ترسيخ بنيان الجبهة الداخلية وتنظيف الجرح من كل الشوائب حتى لو استدعى الأمر بتر العضو الفاسد أو الكي بالنار،
ولنكن أكثر وضوحا هنا وبعيدا عن اللون الرمادي فما نقصده هو موضوع الفساد المالي المستشري كالنار في الهشيم وقضايا الفلتان الأمني والفوضى «غير الخلاقة» التي رأيناها بأم أعيننا في شوارع رام الله التي زرناها بعد غياب فوجدناها قد طاولت عماراتها السحاب ولكن بعض الذمم نزلت إلى أسفل سافلين فيما انحدرت أخلاق بعض كبار المسؤولين إلى الحضيض بعدما استطاعت الانتفاضة الأولى المباركة 1987-1993 تنظيف البيت الفلسطيني من العملاء وأصحاب النفوس المريضة إلى ابعد مدى.
القضية الأخرى التي لا تقل أهمية هي اعتماد مبدأ الحوار والجدال بالحسنى بين مختلف التيارات الوطنية والإسلامية بحيث لا يلغي طرف طرفا آخر ويدعي احتكار الوطنية والنضال والأخلاق والتدين فالوطن يتسع للجميع بحيث تغلب المصلحة العامة على كل مصلحة فردية أو فصائلية أو فئوية وان نبتعد عن كل ما يفرق ونعض بالنواجذ على كل ما يلم الشمل الفلسطيني .
وشعبنا العربي في فلسطين ينتظر من حكومته أن تسعى جادة لفك الحصار الظالم الذي يعاني منه كل طفل وشيخ وامرأة ورجل خصوصا ونحن نرى أن حلقات الحصار الصهيوني المالي والسياسي والعسكري تضيق واحدة بعد أخرى على جميع أبناء الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج و لا يستطيع الا القلة القليلة من دخول القدس أو الصلاة في المسجد الأقصى
ولربما بعد الانتهاء من بناء جدار الفصل العنصري والذي بات وشيكا يصبح من العسير على كل مواطن الوصول حتى إلى بيته أو مزرعته وأرضه سواء كانت داخل الجدار أو خارجه لكثرة الحواجز العسكرية الدائمة والطيارة والتي تزيد عن 500 حاجز للإذلال والتنكيل والتعذيب.
هذا فضلا عن غول الاستيطان والتهويد الذي لم يتوقف لحظة واحدة حتى طال حي المغاربة والجدار الغربي للأقصى ، وفي الوقت نفسه الذي ما زالت قوات الاحتلال الصهيوني تستبيح المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية من مختلف أنحاء التراب الفلسطيني دون رادع أو مانع وتمارس سياسة القتل والاعتقال والاغتيال لكل القوى المناضلة والحية بغض النظر عن انتمائها السياسي أو التنظيمي ،
ناهيك عن نهب الثروات الفلسطينية فوق الأرض وتحتها وسياسة التجويع والتركيع وعدم دفع حتى عائدات الضرائب والجمارك المخصصة للسلطة الفلسطينية والمتفق عليها أصلا . والسؤال كيف ستواجه الحكومة الجديدة كل هذا الحصار والمشاكل من كل الجوانب ؟ وكيف ستتعامل مع الرفض الصهيوني لها؟
musaabueid@hotmail.com