في مواجهة التحديات الكبيرة التي تواجه الأمة العربية والتي تطرح عليها السؤال الأكبر، هل تكون أو لا تكون، ليس أمام الشعوب العربية سوى إجابة واحدة هي إما أن تكون وإما أن تكون، باعتبار ذلك ليس فقط المطلب الوحيد بل إنه أيضاً هو الممكن الوحيد، هذا فيما تبدو القمة العربية القادمة بكل ملفاتها الساخنة وبكل الآمال المعلقة عليها وكأنها الاختبار الحقيقي أمام النظام العربي الرسمي ليثبت للشعب العربي، هل هو قائم أم لا يقوم، وهل هو قادر أو لا يستطيع باعتبارها القمة الأكبر خطراً في مواجهة أكبر الأخطار.
وليس هناك من سبيل إلى مواجهة أكبر الأخطار التي تحيط بالأمة العربية سوى بناء الاتحاد الحقيقي المبني على الإدراك العميق بأنه الضرورة القصوى والضرورة الممكنة بل إنه الممكن الوحيد لكي يمكن للأمة أن تكون، وهو المعبر الوحيد من واقع نعانيه إلى أمل نتطلع إليه، فمن خلال التحدي نحقق الوحدة وبالوحدة نصنع القوة وبالقوة نحقق الحرية ونصنع التقدم ونرسي العدالة ونبني السلام.
غير أن النتيجة مهما كانت لن تمنع شعوب الأمة من توحيد قواها الحية لمواجهة التحديات المفروضة عليها بمقاومة احتلال الأرض والإرادة، تحدي واقع التجزئة التي تستهدف إخضاع الوطن والشعب، والتصدي للهجمة الهمجية التي تستهدف العقيدة والثقافة والأوطان والإنسان، وإصلاح ما هو قائم لما يجب أن يقوم ، حتى تصل إلى حقوقها المشروعة في الحياة الإنسانية الكريمة وفق إرادتها الحرة المستقلة، وهذا ما يفرض عليها مواصلة المقاومة بكل وسائلها المشروعة لكي تكون أو تكون حرة الإرادة فوق أرضها المستقلة.
وربما نكون بحاجة إلى تعميق ما يسميه العلماء « فقه الأولويات»، بإعادة جدولة التحديات وتشخيص الأزمات وفق ثقافة ترتيب الأولويات، وإلى تعميق ما يمكن تسميته « فقه التوافق» وذلك بجسر الفجوة بين ما هو رسمي ورسمي على المستوى القومي، وبين ما هو رسمي وشعبي على المستوى الوطني وصولا إلى كل ما هو ممكن وليس التعلق ببعض ما هو مستحيل.
ترتيب للأولويات لا يفتعل تناقضا مصطنعا بين أهداف ومصالح الوطن والأمة، حتى لا تتحكم النظرة الضيقة لتحاصر الأوطان داخل حدودها، أو بالأحرى أسوارها التي حددها المستعمرون في «سايكس بيكو» والتي يسعى المستعمرون الجدد ومن ارتبطت مصالحهم الضيقة بهم لمواصلة مخططات التقسيم والتجزئة والتفتيت لكل مقومات الأمة للقضاء على إمكانية قيامة نهضوية جديدة تصلح ما خربوه،
وتوافق وطني لا يصنع انقساما سياسيا أو عرقيا أو مذهبيا بفرض وصاية سياسية لطرف على آخر مما يفتح الطريق لتمرير مخططات المتربصين لزعزعة السلم الأهلي، وفاق يقوم على اقتناع أكيد بأن العمل الوطني هو حق لجميع القوى الوطنية بل هو واجبها، وليس بمقدور تيار واحد إقصاء تيار آخر.
كما أنه ليس من حق قوة من القوى ولا هو من واجبها منع تيار وطني من المشاركة الحقيقية في صنع القرار الوطني تحت أي دعوى لا تستهدف سوى الاستئثار بالسلطة واختطاف القرار الوطني من غيرها من قوى الشعب خصوصا إذا كان هذا الطرف المتحكم مرتهنا لمشاريع أجنبية لا تستهدف سوى إشعال الفتن الأهلية وتفتيت الأمة العربية.
ولابد لنا من إدراك عميق بأن خصوم الأمة يتعاملون معها كأمة واحدة، فيما يصرون على الانفراد بدولها واحدة واحدة، ويعرفون أن هزيمتها في فلسطين أو في العراق أو في السودان أو في الصومال أو لبنان إنما يقرر مصير الأمة العربية كلها، مما يستلزم أن تتوحد إرادة كل الأمة قمة وقاعدة حتى لا تسمح للمشاريع المشبوهة بالمرور، وحتى تكون قضايا الأمة هي قضايا كل وطن، وقضية أي وطن هي قضية الأمة كلها.
إن الممكن الذي يمكن أن يحققه العمل العربي المشترك بالاتحاد في الهدف، والوعي بما يريد الأعداء والإصغاء لما تريد الشعوب، والاتحاد في الصف أكبر مما يتصور تحقيقه دعاة القطرية الضيقة والواقعية الجديدة بعدم الممانعة في تقديم التنازلات المجانية بدعوى المرونة، والقبول بالأمر الواقع بزعم أن هذا هو الممكن، في حين أن الممكن الحقيقي بالإيمان وبالوحدة وبالإرادة قد يكون أكبر بكثير مما قد نتصور نحن، ليكون ممكنا الوصول إلى ما يبدو في نظر هؤلاء مستحيلاً.
لكن تحقيق الممكن دائما مهما بدا مستحيلا مرهون بعدة شروط بغيرها يغدو أقل الممكن مستحيلا، أهمها أن يكون الهدف مشروعا، وأن يتوفر الإخلاص الجاد للقضية، والإرادة المخلصة للهدف، والقراءة الصحيحة للواقع والمطلوب، وللممكن والمستحيل، واتخاذ القرارات لتحويل الطاقات إلى قوى، وتفعيل الإمكانات وتوزيع المسؤوليات ووضع الآليات والجداول الزمنية، وبدء العمل لحسمها وفق ثقافة القواسم المشتركة.
وانطلاقاً من ذلك يمكننا تحديد أهم القضايا وفقا لأولوياتها، وبلورة الأهداف القومية المتوافق عليها وطنيا والممكنة التحقيق عمليا بالجدية والمتابعة وصولا إلى تحقيق الأهداف القومية العليا للأمة العربية المتمثلة في (الحرية والوحدة والعدالة) لكل الأوطان ولكل المواطنين العرب بغير تمييز في الدين أو العرق أو المذهب الديني والسياسي، وذلك في إطار إستراتيجية جديدة واضحة وملزمة للعمل العربي المشترك.
إستراتيجية قومية تتأسس على استراتيجيات وطنية تنبع من القاعدة الشعبية قبل القمة الرسمية، بحوارات شعبية تبلور الأهداف العربية لا الغربية وتصيغ الدساتير بالإرادة الشعبية لا الرسمية، وتختار النواب والحكام بالحرية دون ترهيب أو ترغيب، وترسم خرائط الحاضر بمشاركة جماعية بغير إقصاء أو تهميش، وبإرادة حرة بغير تزوير أو تزييف.
إستراتيجية تبدأ عمليات تطوير حقيقي للنظم والتشريعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية داخل كل وطن عربي لتعديل ما يلزم تعديله وإصلاح ما يتعين إصلاحه وتغيير ما يجب تغييره من أفكار وأهداف وبني وأشخاص وصولا إلى تغيير المشهد الوطني الحالي إلى ما هو مسؤول كمقدمة لابد منها لتغيير المشهد العربي الحالي إلى ما هو مأمول.
إن هذا ما يستلزم أن تناضل الشعوب من أجله بقواها السياسية الفاعلة دون استثناء أو إحجام من خلال الأطر القانونية والمؤسسات الدستورية والمجتمعية القائمة بهدف تقوية الجبهات الداخلية على قواعد الشرعية الديمقراطية وحماية الحريات المدنية، ودفع حركة التنمية الاقتصادية، وإرساء العدالة الاجتماعية، وتثبيت حقوق الإنسان، ذلك أنه لا قوة لأمة من دون قوة لكل وطن في هذه الأمة، ولا قوة لوطن إلا بالشرعية الدستورية والديمقراطية السياسية، والسيادة القضائية، والتنمية الاقتصادية، والعدالة الاجتماعية.
ويوم نبني الأوطان البناء الصحيح ونصيغ حاضرها على أرضية القواسم المشتركة، ونحدد استجاباتنا لمواجهة تحدياتنا بما يرسم مستقبلنا بترتيب للأولويات يقدم الرئيسي على الثانوي، والأصلي على الفرعي، والوطني على الحزبي والجماعي على الفردي وفق إرادة الشعوب نكون قد وضعنا المقدمة الأساسية لبناء الأمة الموحدة، حينها فقط يمكننا أن نتطلع إلى وحدة الأمة طريقا لقوة الأمة وحرية الأمة وكرامة الأمة.
لكي نكون كما نريد أن نكون، قادرين بحق على استعادة ذاتنا وإرادتنا وأرضنا وكرامتنا.
كاتب مصري
mamdoh77t@hotmail.com