كالحرب الأميركية في العراق كانت الحرب الأميركية في فيتنام مبنية على كذبة. ولكن لا الرئيس ليندون جونسون الذي أعلن الحرب على جمهورية فيتنام الديمقراطية عام 1965 خضع لمحاسبة على جريمته ولا من المرجح أن يواجه الرئيس جورج بوش الابن مساءلة، وهكذا سيأتي رؤساء أميركيون يكررون إشعال حروب غير مبررة في أماكن أخرى من العالم وهم مطمئنون بأنه لن يطالهم حساب.

عند نهاية الأسبوع الماضي طالب القاضي الاسباني بالتاسر جارتون بمحاكمة الرئيس بوش عن مسؤوليته في شن الحرب على العراق. ووصف القاضي في مقالة صحفية هذه الحرب بأنها «واحدة من أخس الأحداث في التاريخ الإنساني المعاصر» مطالباً بتوجيه مسؤولية جنائية تجاه الرئيس الأميركي.

وقال إن مقتل 650 ألفا في العراق يكفي لبدء تحقيق وتحريات. من أوجه متعددة تشبه حرب العراق الحرب في فيتنام. لكن أشد الأوجه تطابقاً بين الحالتين أن قرار شن الحرب اتخذ في كل منهما على أساس قصة ملفقة. وبينما استند بوش إلى «أدلة» بأن العراق يملك أسلحة دمار شامل فإن سلفه جونسون أعلن رسمياً الحرب على فيتنام استناداً إلى ما عرف بـ «حادثة خليج تونكين».

من خلال بث تلفزيوني حي ألقى الرئيس جونسون خطاب الحرب على أعضاء الكونغرس بمجلسيه قائلا: إن ثمة «اعتداء» وقع على الولايات المتحدة من قبل جمهورية فيتنام الديمقراطية. وروى قصة مفادها أن عدداً من الزوارق الحربية الفيتنامية شنت هجوماً على سفينة حربية أميركية كانت ترابط في المياه الدولية قرب خليج تونكين. وبناء على هذه القصة أيد الكونغرس قرار الرئيس بشن الحرب «للرد على العدوان» وهكذا اندلعت حرب ضارية تواصلت على مدى عشر سنوات.

لكن ثبت لاحقاً أن القصة التي رواها الرئيس كانت ملفقة. فأولا لم تكن السفينة الأميركية على المياه الدولية وإنما تسللت إلى داخل المياه الإقليمية لجمهورية فيتنام وبالتالي ـ وبطبيعة الحال ـ انطلقت الزوارق الفيتنامية صوبها لطردها. وبالفعل انسحبت السفينة الأميركية إلى المياه الدولية. ثم إنه ثبت أن الزوارق الفيتنامية لم تطلق طلقة واحدة على السفينة.

ورغم أن الرئيس جونسون لم يخضع لمحاسبة إلا أنه قرر عدم ترشيح نفسه لولاية رئيسية ثانية. لكن جونسون بالطبع لم يكن المجرم الأوحد. فقد كان هناك شركاء من مختلف أجهزة السلطة ممن ساهموا في تلفيق الكذب أو توسيع نطاق الحرب أو تمديد أجلها أو تدبير الفظائع التي ترافقت مع مسار العمليات القتالية.

كل هؤلاء ومن بينهم الرئيس التالي رتشارد نيكسون ومستشاره هنري كيسنجر لم يقدم أي منهم إلى محاكمة أو حتى مجرد مساءلة. وفي هذا السياق قال السياسي الأميركي المتقاعد يوجين مكارثي: «هنري كيسنجر حصل على جائزة نوبل مقابل إشرافه على الفصل الأخير من حرب هو الذي كان يدعو إلى تسعيرها».

ويقول أستاذ القانون الأميركي البروفسور رتشارد فولك:«ان فشل الولايات المتحدة خلال فيتنام وما بعدها يتمثل في عدم مقدرتها على الالتزامات التي وضعتها للآخرين». ويضيف أن الحرب في فيتنام كانت انتهاكا للقواعد الدولية للقانون التي أسستها الولايات المتحدة نفسها. ولذا فإن قادة الحرب أفلتوا من المحاسبة الأخلاقية.

ألا ينطبق هذا الحكم أيضا على الحرب في العراق؟