في ظل مسلسل الفوضى والانفلات الأمني الذي ابتلي به أبناء العراق على مدى أربع سنوات، ليس غريباً أن تتسع دائرة المعاناة لتشمل كل أوجه الحياة فوق أرض الرافدين، فمادامت هناك فوضى ولا يتوافر انضباط أمني، فمن الصعب أن تتوافر للمواطن العراقي متطلبات الحياة المعيشية الضرورية له ولأبنائه. وأخطر ما كشفت عنه وكالات الأنباء أمس عن أحد أشكال تلك المعاناة، هو صرخة الأمم المتحدة التي حذرت من تفشي وباء الكوليرا في العراق بسبب نقص المياه النظيفة.
ومن الطبيعي أن نتساءل: هل يعقل أن يعاني أبناء الرافدين - دجلة والفرات ـ من نقص في مياه الشرب النظيفة مع أن بلادهم تعد من أثرى دول الشرق الأوسط مائياً ؟ لقد حذرت وكالات للأمم المتحدة من أن نقصا مزمنا في مياه الشرب النظيفة، يهدد بمزيد من وفيات الأطفال ومن تفشي الأمراض المنقولة بالماء مثل الكوليرا خلال فصل الصيف.
وقال بيان أصدرته كبرى وكالات المعونة التابعة للأمم المتحدة انه بعد مرور أربعة أعوام على الحرب مازال الأطفال في العراق لا يجدون سهولة في الحصول على مياه نظيفة. ويقول صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة «يونيسيف» إن نقص مياه الشرب هدد بزيادة معدلات الإصابة بالإسهال.
نقص الكهرباء والهجمات على الفنيين والبنية التحتية والأعمال الهندسية وتدني الاستثمار في قطاع المياه، كل ذلك يعوق جهود إصلاح شبكات المياه التي تضررت بسبب الحرب. وتعطل خدمات نقل المياه لعشرات الآلاف في بغداد خصوصا لعائلات النازحين والمناطق التي تستضيفهم، زاد من احتمال انتشار الكوليرا طبقاً لتحذيرات الوكالات الدولية. هذه واحدة من كوارث الحرب التي يكتوي أبناء الرافدين بنيرانها يومياً.
وفي ظل تردي الأوضاع الأمنية الذي كان جلياً وواضحاً أمام الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون ـ الذي أرعبه الانفجار القوي الذي هز المنطقة الخضراء خلال مؤتمره الصحافي أول أمس ـ من الصعب القول إن الكوارث والمآسي الناجمة عن الحرب ستتوارى وتتلاشى. معاناة شعب العراق، تبدو وكأنها قد صارت مرضا مزمنا لن يشفى منه هذا البلد العربي العزيز. ولكن إذا بحثنا عن أسباب العلة سنجد الدواء والعلاج الشافي الذي يزيل المعاناة.
أخطر هذه الأسباب، هو ما كشف عنه تقرير رسمي أصدره المفتش الأميركي الخاص في العراق ستيوارت بوين الذي قال ان الفوضى وسوء الإدارة من أسباب فشل خطط إعادة الإعمار في العراق. وإعادة الإعمار تعني في المقام الأول توفير الخدمات والمرافق اللازمة التي تحمي أبناء الرافدين من مخاطر تفشي الأمراض والأوبئة، وبالتحديد مرافق المياه والكهرباء والصرف الصحي.
ان برنامج إعادة إعمار العراق، الذي تبلغ قيمته عدة مليارات من الدولارات، يتصف بالفوضى وسوء الإدارة، هذا ما يؤكده تقرير المفتش بوين الذي انتقد ما وصفه بحالة التوتر وقلة التنسيق بين وزارتي الدفاع والخارجية الأميركيتين والتي قال إنها أدت إلى فوضى. والسبب الرئيسي كما يقول بوين هو ان وزارة الدفاع «البنتاغون» في الأصل لم يكن لديها أبداً خطة واضحة لإدارة عملية إعادة إعمار العراق بعد الحرب.
وقد قدم بوين تقريره إلى لجنة الأمن الداخلي في مجلس الشيوخ الأميركي، والتي قال رئيسها جوزيف ليبرمان إن مليارات الدولارات قد أهدرت وأن المهمة برمتها فشلت، والفشل يكمن ـ حسب قوله ـ في إخفاق الحكومة الأميركية في التخطيط بشكل سليم للمشاريع في العراق، ومن ثم إخفاقها في مراقبة المقاولين، والنتيجة كانت ضياع مليارات الدولارات.
تقرير آخر مثير يؤكد أن العنف تتفتح له الأبواب! فهو يشير إلى أن مواقع تخزين الذخيرة في العراق غير خاضعة للحراسة، وبالتالي فهي تغذي العنف. التقرير صادر عن جهاز حكومي أميركي، وهو يؤكد أن مواقع تخزين الذخائر تعرضت للسرقة بعد العمليات العسكرية الرئيسية في عام 2003، وان عدم ضمان أمن هذه المواقع كلف الكثير، فالذخائر المسروقة استخدمت لصنع العبوات المضادة للدروع التي سببت قتل وجرح عدد كبير من الأشخاص. معاناة أبناء العراق لن تزول إلا بزوال العلة التي جلبت تلك المعاناة