نكمل اليوم حديثنا عن الهوية المحلية في دولة الإمارات ومسؤوليتنا تجاه الجيل الجديد كآباء وأمهات وكمؤسسات ستتحمل فشل الجيل القادم في إبراز هويته والدفاع عنها، وبالتالي انطماس الهوية المحلية على أيدينا لا على أيدي غيرنا، ويشعر الناس هنا حقيقة بما يهدد وجودهم وهويتهم.

ويفسر البعض الآخر هذا الخوف بأنه اتجاه للتحيز والعنصرية، ولكن حقيقة الأمر تكمن في أن المخاوف على الهوية تأتي من ضياع هويتنا المحلية بين الثقافات المختلفة، وتأتي من إهمالنا للهوية.

نعم نحن كمواطنين مؤسسات حكومية كنا أو خاصة، أفراداً أو جماعات، لابد أن نواجه أنفسها، ولابد أن نعترف بأن تقصيراً كبيراً بدر منّا في حق الهوية رغم أن شكوانا من خلل التركيبة السكانية لا تكاد تتوقف، فكما قلنا إن الجيل الجديد من الشباب معظمه مغيّب الهوية ولا ينتمي لها حق الانتماء، وهذا الجيل نفسه هو المفترض أن يتحمل مسؤولية الهوية خلال السنوات العشرين أو الثلاثين المقبلة، لكن السؤال الملح الذي يطرح نفسه: كيف سيبرز هذا الجيل هويته تلك التي يفتقدها الآن؟ وكيف سيتعايش بهويته العربية والإسلامية أمام الأجانب الذين سيقيمون في الدولة بثقافاتهم تلك التي ربما يفرضونها ويغلبونها بشكل أكبر وأكثر عمقاً؟

بعضهم يرى أنه لا حق لنا في توجيه أصابع التقصير إلى المؤسسات الوطنية أو المواطنين في مسألة ضياع الهوية المحلية بسبب اتساع خلل التركيبة السكانية الناتج عن وجود العمالة الأجنبية، والانفتاح الاقتصادي الذي زاد خلل التركيبة بعد أن تحولت هذه المشاريع إلى عامل جذب لجميع الجنسيات، لكن هذا الكلام مردود عليه، فالعمالة الأجنبية تؤدي اليوم دورها في التعمير والبناء، وقد وضعت الدولة قوانين تحد من إقامتها لسنوات طويلة باعتبار أنها عمالة «مؤقتة»، الأمر الذي يعني أنها سترحل بعد اكتمال المشاريع في الدولة.

وبعد عشرين عاماً كحد أقصى، كما أن هذا الانفتاح الاقتصادي الذي جذب الجميع للاستثمار في البلد والإقامة فيه سيكون بعد سنوات حكراً على الصفوة من الوافدين الذين سيكون بإمكانهم فقط الإقامة في مجتمعنا الذي يئن أفراده حالياً من ارتفاع مستوى المعيشة وغلائها، وهو الأمر الذي دفع بالكثيرين للعودة إلى بلدانهم بعد أن اكتشفوا عدم جدوى الإقامة والعمل في دولة أصبحت تحتل مكانة بين الدول التي تصنف مدنها على أنها الأغلى بين مدن العالم.

دعونا نتصور حالنا بعد اكتمال هذه المشاريع، لا عمالة بالحجم الذي نراه حالياً، ولا أجانب من مختلف المستويات الاقتصادية، وربما يصبح مجتمع الإمارات بعدها مقتصراً على المواطنين وعلى الصفوة من الأجانب وبعض العمالة، فكيف سيتمكن الجيل القادم من إبراز هويته في ذلك الوقت وهو لا يكترث بها من الآن؟ كيف سيستطيع الحفاظ على لغته ودينه وهو يتنكر لهما من الآن؟

خلل التركيبة السكانية والهوية المحلية المتمثل في الدين واللغة وما يتبعهما من الموضوعات كثر الحديث فيه، لكن هل وضع أحدنا يده على الدواء؟ هل وضعت الجهات المسؤولة آليات واستراتيجيات للأفراد والمؤسسات لحماية الهوية المحلية وسط هذا التواجد الأجنبي؟ إن الشكوى من خلل التركيبة وذوبان الهوية ليس أمراً كافياً، فنحن نطلب المزيد، وهذا ما سنطلعكم عليه في مقال الغد بإذن الله.

maysaghadeer@yahoo.com