تأتي زيارة العمل الأخيرة للمنسق الأوروبي خافيير سولانا إلى العاصمة السورية ـ دمشق في سياق العودة الطبيعية لإحياء العلاقات السورية مع دول الاتحاد الأوربي، بعد فترة طويلة نسبياً من الجمود، بل ومن التدهور الذي وقع وارتفع في منسوبه بعد التحولات التي طرأت على الساحة اللبنانية، والتداخل الكبير في الأدوار بين الدول ذات التأثير في الموضوع اللبناني.
ولعل من أبرز ما أفرزته الحرب الإسرائيلية الأخيرة على لبنان، تمثل عودة أوروبا إلى ساحة الفعل والتأثير بعد فترة طويلة من التهميش الأميركي، ومن السياسة الأحادية التي عملت ومازالت الإدارة الأميركية في اتباعها من خلال الاستفراد بتقرير مسارات الحلول للقضايا الشرق أوسطية مع ما تحمله من تضارب مصالح مع الجار الأوروبي القريب للمنطقة العربية تاريخياً وجغرافياً.
فكل التطورات الأخيرة التي وقعت على صعيد العلاقات السورية الأوروبية تحمل على الاعتقاد بأن قفزة نوعية قادمة على صعيد إعادة إحياء البحث بمسألة الشراكة الأوروبية السورية، بعد فترة طويلة نسبياً من الجمود عند النقطة التي توقفت حولها مباحثات الشراكة قبل عامين ونيف مضت.
فالموقف الأوروبي، وتحديداً موقف دول الاتحاد، اتخذ منحى آخر خلال وبعد حرب لبنان، فانتقل من موقف المنادي بتحييد سوريا عن الملف اللبناني وملف الحرب الدائرة آنذاك بداية الحرب، إلى موقف آخر عنوانه إشراك سوريا بالحل، واعتبارها طرفاً مهماً في العمل من أجل إنقاذ العراق، بعد أن بات أمام الأوروبيين بأن واقع الجغرافيا السياسية يفرض نفسه على الأرض، فأوفدت المجموعة الأوروبية سفيرها المتجول والمنسق الخاص ميغيل ميخيل موراتينوس إلى دمشق حاملاً معه رزمة من التصريحات الايجابية التي توالت في زيارتين إضافيتين إلى العاصمة السورية، وتبعها الآن زيارة العمل للمنسق خافيير سولانا.
وتشير التحركات السياسية الأخيرة، إلى تنامي ايجابي في موقف دول الاتحاد الأوروبي تجاه سوريا، فوزير الخارجية الألماني فرانك فالتر شتاينماير، يدعو في أكثر من مرة إلى وجوب توسيع مهمات اللجنة الرباعية للشرق الأوسط، بحيث لا يقتصر عملها على معالجة ملف الصراع الفلسطيني ـ الإسرائيلي. ودعا إلى ضم سوريا إلى عملية السلام.
بينما اعتبرت المجموعة الأوروبية بأن «عمل اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة) ينبغي ألا يقتصر على المهمات التي تولتها حتى الآن بقيامها بدور الوسيط بين الإسرائيليين والفلسطينيين، بل يجب ان توسع عملها ليشمل المسائل الأخرى في الشرق الأوسط». ومن الواضح أن القناعة الأوروبية زادت رسوخاً من أنه دون سوريا، تبقى محاولة إحياء عملية السلام في المنطقة غير مكتملة وناقصة، ومعرضة للانتكاس في كل لحظة.
ان أوروبا تحاول الآن تلمس مصالحها وإعادة إحياء مباحثاتها مع دمشق نظراً لما تمثله سوريا من موقع إقليمي مؤثر وفاعل في الحدث الشرق أوسطي، وساحة مصالح كبرى لأوروبا في مجال توظيف الاستثمارات. فخسارة العراق والمصالح الأوروبية على ساحته، يشكل درساً لدول مجموعة الاتحاد الأوروبي لتجنب خسارة سوريا كما خسرت ساحة العراق قبل أعوام.
وعليه، ان البرلمان الأوروبي ومؤسسات وتيارات أوروبية فاعلة مختلفة، باتت تدرك دور سوريا في المنطقة سياسياً واقتصادياً وبشكل ينسجم مع مبادئ إعلان برشلونة. في الوقت الذي يأمل فيه برلمانيون أوروبيون في «إعادة فتح إجراءات توقيع اتفاقية الشراكة السورية الأوروبية المعلقة منذ نحو عامين ونيف بسبب عراقيل وضعها الجانب الأوروبي والمناخ السياسي الضاغط في المنطقة.
فالوفد البرلماني الأوروبي الذي اختتم زيارة إلى سوريا قبل فترة قصيرة بعد انقطاع في التواصل بين الطرفين، أكد خلال اجتماعاته مع المسؤولين السوريين على الرغبة في إعادة فتح إجراءات اتفاقية الشراكة السورية الأوروبية التي تم التوقيع عليها بالأحرف الأولى في شهر أكتوبر سنة 2004».
وعليه، ان ملف الشراكة السورية الأوروبية يتم الآن إحياؤه من جديد، وذلك مع اتساع رقعة المؤيدين لإنجاز هذه الشراكة داخل دول الاتحاد الأوروبي وضرورة عدم ربطها بالأمور السياسية، وكل الأجواء والمعلومات تنبئ بلقاءات سورية أوروبية، قد تجري قريباً على هذا الصعيد، وبشكل مترافق مع زيادة المساعدات المقدمة من الاتحاد لصالح عملية الإصلاح الاقتصادي التي تقوم بها سوريا.
هذا ويأتي ارتفاع التأييد الأوروبي لسوريا بشأن إنجاز الشراكة من أكثر مستوى. أبرزها البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ. كما تظهر بعض الدول ميلاً نحو مساعدة سوريا على تصديق اتفاقية الشراكة مثل إيطاليا وإسبانيا واليونان. ولعل من مصلحة سوريا في هذا الوقت تزايد وعي الشارع الأوروبي حول إدانة ورفض الممارسات الإسرائيلية في فلسطين ولبنان، وتجليه في خروج مظاهرات في عدد من الدول الأوروبية تضامناً مع شعبي فلسطين ولبنان.
ان مشروع إعادة إحياء الشراكة هذه المرة، لا بد وأنه تم احتسابه على أسس اقتصادية بعد اسقاط الجانب السياسي خاصة وأن الاتفاقية في شقها الاقتصادي ليس هناك ما يمنع تنفيذها، إطلاقاً من لغة المصالح المتبادلة.
وخلاصة القول، ان اتفاقية الشراكة القادمة السورية الأوروبية، تأتي في سياق مصالح أوروبا المتداخلة مع العالم العربي والإسلامي ككل، الأمر الذي يستدعي بالضرورة سياسات عربية جدية وفاعلة مع الدبلوماسية الأوروبية للحد من التأثير الأميركي على الموقف الأوروبي. فالولايات المتحدة تريد لأوروبا دوراً مزدوجاً: الممول الاقتصادي العملاق لحلول التسوية الأميركية الإسرائيلية، والقزم السياسي الذي لا دور له في رسم مسارات الحلول.
فأوروبا المغيبة عن الفعل السياسي المنتج في الشرق الأوسط تحاول أن تجد لها موطئ قدم سياسي تغادر فيه موقع الممول المالي لعملية التسوية في المنطقة إلى موقع مسؤول ومقرر، إلا أن ابتلاع واشنطن للفعل السياسي واحتواء كل القضايا التفاوضية تحت عباءتها وتقزيم حتى دور الأمم المتحدة يضع الأوروبيين في عربة الصف الثاني ودون فعل ملموس ومؤثر.
إن التقاء المواقف وتقاطعها بين دول أوروبا الغربية والولايات المتحدة تجاه قضايا الشرق الأوسط وحتى العالم بأسره يصاحبها واقعياً على مدايات زمنية تعارض في المصالح، لذلك من غير المؤكد أن يتطور الدور الأوروبي بشكل عملي بدون دور عربي يعيد ربط المصالح العربية ـ الأوروبية من جوانبها المختلفة، ويضعها على سلم الأولويات، وإلا فإن الدور الأوروبي سيبقى أسير الحركة السياسية غير المنتجة.
كاتب فلسطيني ـ دمشق
