اذا ما صحت الانباء التي نقلت على لسان رئيس وزراء اسرائيل ايهود اولمرت بأن مبادرة السلام العربية التي تبنتها قمة بيروت عام 2002 تصلح أساسا للمفاوضات بين اسرائيل والعرب، فاننا نكون أمام قراءة اسرائيلية جديدة للمشهد الاقليمي رغم ما يحفل به تصريح اولمرت من غموض والتباس بل هو قابل لقراءات عديدة يعرف الجميع ان رئيس الحكومة الاسرائيلية كان أبدى معارضة لهذه المبادرة وقال اكثر من مرة انها لا تشكل فرصة للسلام..
ثمة ما يدفع للتساؤل عما اذا كان اولمرت بالفعل قد بات على قناعة ان خيار القوة والحلول الامنية للصراع قد فشل وان لا سبيل للخروج من هذه الحال الدموية والصعبة التي يعيشها الفلسطينيون وكل دول وشعوب المنطقة بغير التفاوض والحوار والذي يجب وبالضرورة ان يفضي الى سلام عادل ودائم تقبل به الشعوب وتدافع عنه لأنه يحقق مصالحها ما يعني ان قيام دولة فلسطينية مستقلة.
وانهاء الاحتلال الذي بدأ في 5 حزيران 1967 وايجاد حل عادل ومقبول لمسألة اللاجئين كما لقضايا الوضع النهائي سيكون اشارة واضحة على ان اسرائيل قد تخلت عن عقلية القلعة وعن التمسك بالقوة لكسر ارادة الفلسطينيين والعرب وعن الغرور والغطرسة التي أراد قادة اسرائيل طوال العقود الأربعة الاخيرة الايحاء بان الدولة العبرية قد غدت قوة اقليمية عظمى تستطيع استغلال موازين القوى للتدخل في رسم مصير المنطقة دولها والشعوب..
ما نقل على لسان اولمرت في حاجة الى توضيح والى مزيد من الاضاءة على طبيعة القبول الاسرائيلي المفاجئ بالمبادرة العربية وخصوصا ان مواقف أركان حكومة اولمرت متباينة بل هي متعارضة وهنا يتوجب استدعاء التصريح المتغطرس الذي ادلت به وزيرة خارجية اسرائيل تسيبي ليفني عندما قالت ان من المستحيل على اسرائيل القبول بالمبادرة العربية كما هي عليه الآن وعلى العرب ان يقوموا بتعديل بعض بنودها وخصوصا مسألة اللاجئين كي يمكن لاسرائيل ان تتعامل معها.. ثم اضافت بعد ذلك تصريحا يعكس المراوغة ولعبة شراء الوقت التي تميز سياسة اسرائيل قالت فيه ان على العرب ان يطبعوا علاقاتهم مع اسرائيل قبل ان يتحقق السلام مع الفلسطينيين..
هنا، يجدر التعامل مع تصريح اولمرت المفاجئ بحذر شديد وعدم السماح له شخصيا باستثمار هذا الاعلان المبهم لانقاذ مستقبله السياسي الذي يتآكل باستمرار، ناهيك عن الاحتمالات الواردة بتفكك الائتلاف الحكومي القائم اذا ما أسفرت تحقيقات لجنة فينو غراد عن حال ضاغطة تدفع بأولمرت الى الاستقالة..
مبادرة السلام العربية المطروحة منذ خمس سنوات على اسرائيل والمجتمع الدولي لكن عقلية القلعة وغرور القوة التي يظن قادة الدولة العبرية انها قادرة على توفير الأمن والاستقرار لهم هي التي حالت دون ان تاخذ طريقها الى التنفيذ وهي ما تزال تشكل الفرصة المتاحة لاحداث نقلة نوعية في المشهد الاقليمي ينهض على سلام حقيقي يضع حدا للاحتلال ويعيد حقوق الشعب الفلسطيني ويمنح كل دول المنطقة وشعوبها الأمن والسلام..
القبول الاسرائيلي الصريح والواضح والبعيد عن الالتباس والغموض والتذاكي بالمبادرة العربية هو السبيل لاحقاق السلام وتجنيب المنطقة ويلات الحروب والفوضى..