الأمم المتحدة، ممثلة في شخص أمينها العام، أخطأت مرّة أخرى في حقّ القضية الفلسطينية. فقد صرّح الأمين العام للمنتظم الأممي، وقد وضع قدميه للتوّ في بهو الأمم المتحدة المثقلة بالملفات الصعبة، أن الأمانة العامة سوف لن تتعامل مع وزراء في حكومة فلسطين، ينتمون إلى حماس.أي أن المنتظم الأممي حسب السيد بان كي مون سوف يختار مع من يتعامل في حكومة وحدة وطنية.
قد لا يستغرب المرء تصريحا كهذا، من مسؤول سياسي في فرنسا أو في ألمانيا، لكن أن يأتي على لسان الأمين العام للأمم المتحدة فهذا ما لا يمكن فهمه، الأمين العام للمنتظم الأممي، وعلى لسان المتحدثة باسمه، أاف أمس، أنه سيراقب الوضع عن كثب، وأن الحكومة الفلسطينية المشكلة للتوّ، مطالبة بمزيد من الخطوات، وتعترف باتفاق الرباعية.
والحقيقة، ما لا يعيه السيد الأمين العام، هو أن اللجنة الرباعية، أخرجت المنتظم الأممي من دائرة التسوية، على أساس أنها منظمة الأمم المتحدة كانت المرجعية الوحيدة للقضية الفلسطينية، انطلاقا من أن إسرائيل رأت الحياة كدولة في حضن الأمم المتحدة، وأن هذه الأخيرة هي وحدها المرجعية للحلّ انطلاقا من قرارات التقسيم (181) وعودة اللاجئين الفلسطينيين (194) والانسحاب الاسرائيلي من الأراضي التي احتلتها في 1967 (242 و388).
لقد استغلت الولايات المتحدة الأميركية فردانيتها في سياسة العالم، فأجهزت على هيكل الأمم المتحدة، كضامن شرعي للحقوق الوطنية الفلسطينية، ودفنت إلى غير رجعة، فكرة المؤتمر الدولي للسلام تحت رعاية الأمم المتحدة.
ما لا يعيه الأمين العام للأمم المتحدة، هو أن إخراج القضية الفلسطينية من دائرة الأمم المتحدة، هو إضعاف لهذا الهيكل الأممي واعتداء على هيبة اكتسبها هذا المنتظم من خلال توازن في العلاقات الدولية، لطالما أبعد شبح الظلم والاحتلال عن الشعوب.
الأمين العام للأمم المتحدة، والذي عبّر عن استيائه من تمسّك الحكومة الفلسطينية بالمقاومة، ويطلب في الآن نفسه من هذه الحكومة أن تلتزم بما لا تريد إسرائيل الالتزام به.
فجميل أن تدلي الأمانة العامة للأمم المتحدة بدلوها في قضية استراتيجية كالقضية الفلسطينية. وجميل أن يفكّر الأمين العام في السلام بمنطقة المشرق العربي، لكن الأجمل من هذا وذاك، أن تكون نظرة الأمانة العامة شاملة ومتقدمة عن الكتل الأوروبية من الدول، تلك التي بدأت اتصالاتها مع الحكومة الفلسطينية، في أن تعمل الأمانة العامة للأمم المتحدة أن تكون أكثر ملكية من الملك.
لو كان هذا الزمن الدولي محفوفا بالشرعية ويرتكز على التوازن لكانت الأمم المتحدة، أمانة عامة ومجلس أمن وجمعية عامة، انتفضت تجاه عمليات الإبادة والقتل والاعتداء التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي.
كان أجدر بالأمين العام، أن ينطق بكلمة حق، تجاه القضية الفلسطينية، التي لم يبق أمام أبنائها من خيار سوى المقاومة والمطالبة بالانسحاب الاسرائيلي، فيساند الحق، انطلاقا من نصّ ميثاق الأمم المتحدة. هذا إذا كان يرى في الميثاق فيصلا، أما إذا ما تمسّك بهذه النظرة الناقدة للطرف الواقع تحت الاحتلال، فإنه لن يكون بإمكانه أن يكون أمميا.