إلى أين صارت لغتنا العربية؟ وهل من سبيل لنجدتها؟ بداية، اللغة ليست كائناً جامداً، بل هي حالة تموج بالمد والجزر والتفاعل مع المجتمع وأحداثه، وتتأثر به سلباً وإيجاباً، فهي نتاج طبيعي لحركة الحياة وإفرازاتها، وبالتالي لا يمكن فصلها عن المتغيرات الداخلية، أو ما يمر به عالمنا من تطور. وإذا كان الأمر كذلك، فإن محاولة فصل لغتنا العربية وعزلها عما يدور من حولها، تعد ضربا من المستحيل، وبالتالي فإن التعامل مع تلك الحقيقة وهذا الواقع، ربما يصل بنا إلى ما نتمنى أن تكون عليه لغة الضاد.
من خلال هذه الرؤية، يحزن المرء كثيرا على الحالة التي آلت إليها لغتنا العربية، حيث أصبح أبناؤنا لا يجيدونها، بل يكرهون تعلمها، وتلك حقيقة يعرفها كل من آمن باللغة الإنجليزية منهجا وسبيلا لتمهيد الطريق أمام أبنائه للحصول على وظيفة مرموقة.
ومن المفارقة أن يتباهى الأب أو الأم، بقدرة طفلهما الصغير على التحدث باللغة الإنجليزية بطلاقة، وعجزه عن نطق جملة عربية واحدة صحيحة. ومن المفارقة أيضا، أن نجد جميع المؤتمرات الصحافية، أو الندوات التي تعقد في عواصمنا العربية، تدار باللغة الإنجليزية، ولا مجال فيها للتحدث أو للمناقشة باللغة العربية، وكأن من العيب أن نتكلم بها، حتى نوصم من قبل الآخرين بالتخلف.
وإذا كانت عواصمنا العربية، حُبلى بالأجانب الذين يفدون إليها للعمل، ويتقاضون مقابل ذلك الأجر الكبير، أو حتى للسياحة والتمتع بطبيعتها الخلابة، فإن تعلم العربية يصبح حينئذ واجبا عليهم، بدلا من أن نتعلم، نحن أبناء هذه العواصم، الإنجليزية كي نتفاهم معهم. ولم نذهب بعيدا؟ فها هي فرنسا تجبر من تطأ قدماه أرضها على تعلم لغتها، لأنه لن يجد من يرد عليه، إذا تحدث بلغة أخرى غير الفرنسية، حتى ولو كانت الإنجليزية.
وقد يسأل البعض: من المسؤول عن الحالة التي آلت إليها لغتنا العربية حتى نستطيع الوقوف على أنجع السبل لعلاجها؟ من المؤكد أن المسؤولية يتحملها الجميع، ابتداء من أولياء الأمور وتحمسهم لتعليم أبنائهم اللغات الأجنبية وإهمالهم الواضح للغة العربية، مرورا بمناهجنا التعليمية التي تعرض تلك اللغة بطريقة عقيمة، وانتهاء بكل الوزارات والهيئات الحكومية والخاصة، التي تصر على استعمال اللغة الإنجليزية في جميع مخاطباتها، دون إدراك تام لخطورة هذه الخطوة، على لغتنا العربية من جهة، وعلى ثقافة وهوية أبنائنا من جهة أخرى.
وإلى جانب كل هؤلاء يأتي الدور الرقابي لبلديات الدولة والغرف التجارية فيها، ومتابعتها لعناوين المحلات ومسميات الشركات، وأهمية تحرى الدقة في كتابتها بلغة عربية صحيحة. مرة أخرى ليست تلك دعوة لهجر اللغات الأجنبية، فهذا أمر خاطئ في عالم أصبح قرية صغيرة، يحتم على سكانها التفاعل والالتقاء وتبادل العلم والمعرفة، ولن يتأتى كل ذلك دون إتقان تام لهذه اللغات، ولكن بشرط ألا يتم ذلك على حساب لغتنا العربية، كما يحدث حاليا،
فكم من الإعلانات والعناوين الخاطئة نجدها في الشوارع والميادين العامة، وكم من المحلات التي يدخلها المرء ولا يستطيع أن يجد فيها من يجيد العربية أو حتى يتحدث بها قليلا، وكم من المؤتمرات الصحافية التي يحرص أصحابها على التحدث بالإنجليزية فقط حتى لو كان الحدث عربيا ومقاما على أرض عربية، وكم من المدارس الخاصة التي نحت العربية جانبا وكأنها مادة ثانوية لا تسمن ولا تغني من جوع.
خلاصة القول، لغتنا العربية جميلة وتستحق منا جميعا أفراداً ومسؤولين نظرة إنصاف واهتمام ورعاية، ولن يتم ذلك إلا إذا حرص كل منا على رعايتها وتحبيب أولاده فيها قبل تعليمهم إياها، ولن يتم ذلك أيضا، إلا إذا أعاد المسؤولون عن مناهجنا التعليمية، الاحترام والتقدير لهذه اللغة، التي كرمها الله سبحانه وتعالى، بأن جعلها لغة القرآن الكريم ولغة أهل الجنة.
Haniihanii@hotmail.com