ينتمي جيل كيبل إلى فريق كامل من الاختصاصيين الفرنسيين الذين ركزوا جل اهتمامهم على الحركات الأصولية المعاصرة. نذكر من بينهم أوليفييه روا المختص أساساً بالحركات الأفغانية والباكستانية، وفرانسوا بورغا المختص بالحركات الأصولية في شمال إفريقيا أو المغرب العربي، وبرينو ايتيان المختص بدراسة الخلفية الفكرية لهذه الحركات بشكل عام وبخاصة داخل فرنسا ذاتها. أما جيل كيبل فقد ركز أبحاثه منذ البداية على الحركات الإخوانية المنتشرة في المشرق العربي بالدرجة الأولى وبخاصة في مصر. ولكنه وسع أبحاثه لاحقاً لكي تشمل العالم الإسلامي ككل.

ونتج عن ذلك كتابه الكبير عن حركات الإسلام السياسي تحت عنوان: الجهاد: صعود الحركات الأصولية وأفولها. وقد ترجم إلى الانجليزية بعد 11 سبتمبر بسرعة. وهو أهم كتاب في اللغة الفرنسية عن الموضوع. ففيه يدرس المؤلف كل الحركات الأصولية من مصر إلى الخليج العربي إلى إيران إلى تركيا إلى الباكستان إلى السودان الخ.. ثم أردفه بكتاب آخر تحت عنوان: الفتنة: حرب في قلب الإسلام.

وفيه يكمل أبحاثه السابقة ويرد على الاعتراضات التي وجهت له من قبل أطراف عديدة. نضيف ان جيل كيبل هو رئيس قسم الدراسات الشرق أوسطية في معهد العلوم السياسية في باريس، كما انه المشرف على أطروحات الدكتوراه للطلبة العرب هناك. وبالتالي فالرجل يحتل مكانة مرموقة داخل المؤسسة العلمية الفرنسية وكلمته مسموعة لدى الأوساط العليا فيما يخص هذا الموضوع الخطير الذي يشغل العالم حالياً.

ولكنه تعرض لانتقادات حادة بعد حصول ضربة 11 سبتمبر لأنه كان قد تنبأ بأفول الحركات الأصولية قبل ذلك بقليل فإذا بها تضرب ضربة كبرى وتهز العالم هزاً.. فكيف يمكن ان تكون آفلة وهي قادرة على توجيه مثل هذه الضربة التي لا مثيل لها في التاريخ؟ لهذا السبب راح الكثير من الباحثين يسخرون منه ومن أطروحاته المتسرعة ان لم نقل المرتجلة.

لكن ما هي هذه الأطروحة التي يفتخر بها على أقرانه والتي شكلت مجده العلمي في الساحة الفكرية الفرنسية وربما العالمية؟ يقول بما معناه: لقد مرت الحركات الأصولية بثلاث مراحل، الأولى هي مرحلة التشكل والتبلور العقائدي في الستينات من القرن الماضي. وكان ذلك على يد منظرين سلفيين مهمين كأبي علا المودودي في الباكستان وسيد قطب في مصر والخميني في إيران والعالم الشيعي بشكل عام.

أما المرحلة الثانية فقد جاءت بعد ذلك في نهاية السبعينات وبداية الثمانينات. وتميزت بانتصار الثورة الإسلامية في إيران وعودة الخميني مظفراً إلى طهران بعد غياب طويل. وقد أعطى هذا الحدث الضخم والمفاجئ زخماً قوياً لكل الحركات الأصولية في كل أنحاء العالم العربي. فقد قال قادة الإخوان المسلمين في سوريا ومصر وتونس والجزائر وسواها بينهم وبين أنفسهم: إذا كان الخميني قد نجح في إسقاط أعتى نظام استبدادي في المنطقة فلماذا لا نستطيع نحن؟ هل الخميني أحسن منا؟ ما الذي ينقصنا حتى نسقط الأنظمة العربية ونستلم السلطة مباشرة؟

ويرى جيل كيبل، وهنا تكمن فرادة أطروحته السوسيولوجية، ان سبب الفشل يعود إلى ما يلي: لم تستطع الحركات الإخوانية أو الأصولية، ما عدا في حالة إيران الشيعية، ان توحد بين ثلاث فئات اجتماعية منخرطة في الصراع ضد الأنظمة القائمة والفساد المتفشي فيها. الفئة الأولى تتمثل بالشبيبة المسحوقة الضائعة التي تعيش في بيوت الصفيح المحيطة بالمدن الكبرى أو في الأحياء الشعبية البائسة لهذه المدن بالذات.

وكانت قد هاجرت من الأرياف إلى ضواحي المدن طلباً للعيش. وأما الفئة الثانية فهي الطبقة الوسطى أو البورجوازية المتدينة التي تعيش في المدن تاريخياً والتي تتمتع بوضع مادي مقبول بل ومريح نسبياً. وأما الفئة الثالثة فهي طبقة الانتلجنسيا الأصولية: أي طبقة المثقفين الأصوليين الملتحين الذين يعرفون كيف يستخدمون الدين بفعالية لتعبئة الجماهير وتوجيهها في الاتجاه الذي يريدونه.

وكانوا قد تخرجوا من الجامعات المحلية أو حتى الأجنبية بل ان بعضهم كان ماركسياً أو قومياً يسارياً ثم انقلب أصولياً تحت تأثير الشارع والموجة العارمة التي لا تقاوم. ثم يردف جيل كيبل قائلاً هذا الكلام المهم: في الواقع ان الانتلجنسيا الأصولية أو قل بعض قادتها نجحت في البداية في تعبئة أبناء الطبقتين السابقتين وتوحيدهما تحت رايتها بل ووجهت ضربات موجعة للأنظمة وكادت ان تطيح بها في لحظة من اللحظات.

ولكن مقاومة الأنظمة لفترة من الزمن أدت فيما بعد إلى حصول انشقاق بين الطبقتين الاجتماعيتين المتمردتين عليها: أي طبقة الشبيبة المدقعة التي لا تملك شيئاً لكي تخسره، وطبقة البورجوازية المتدينة التي تملك بعض المواقع والمناصب والمستوى المعيشي المقبول.

فعندما انحرفت الشبيبة اليائسة في اتجاه الإرهاب الأعمى والاغتيالات وتفجير المؤسسات خافت الطبقة البورجوازية من عواقب الأمور وفكت تحالفها مع هذه الطبقة الغوغائية الرعناء التي لا تتوانى عن فعل أي شيء. وقد استغلت الأنظمة هذا الوضع وقدمت العديد من المناصب والامتيازات لبورجوازية المدن واستطاعت بذلك شق الحركة الأصولية وإضعافها بل واستيعاب بعض عناصرها المعتدلة عن طريق إشراكها في الحكم.

أما الخميني فتكمن عبقريته أو ربما حظه في انه استطاع ان يجمع الفئات الثلاث المذكورة في وحدة متراصة لم يشهد لها التاريخ مثيلاً من قبل. ولذلك فان معظم قادة الإخوان المسلمين يحسدونه على ذلك. فتحت قيادته الكاريزمية أو هيبته الشخصية توحدت قوى البازار أي البورجوازية المتدينة، وقوى المستضعفين في الأرض أي الجماهير الشعبية المسحوقة المدقعة، وقوى المثقفين الأصوليين وأساتذة الجامعات وحتى الماركسيين والشيوعيين بل وبعض الليبراليين على الأقل في البداية.

ولهذا السبب نجح في إسقاط الشاهنشاه أي ملك الملوك. هذه هي الخطوط العريضة لنظرية جيل كيبل. واعتقد انها وجيهة ومضيئة لأنها تعتمد على مناهج علم الاجتماع الحديث ومصطلحاته في دراسة المجتمعات البشرية. ولكن لا يمكن ان اختتم هذا المقال قبل ان أضيف إليه ما يلي: لقد بلور الباحث الفرنسي هذه النظرية عندما كانت الحركات الأصولية لا تزال في حالة صعود، عندما كانت تشكل موجة عارمة لا تقاوم.

أما الآن فقد أصبحت في حالة نزول وفقدت الكثير من مصداقيتها بعد ان جربت نفسها في الحكم في إيران ذاتها أو في السودان أو في أماكن أخرى وكانت النتيجة مخيبة للآمال. وبالتالي فلم تعد الأصولية جذابة كما كان عليه الحال قبل عشرين أو ثلاثين سنة. لقد انتهى شهر العسل..

ولا أقصد بذلك انها انتهت نهائياً أو انه لم يعد لها جماهير وإنما أقصد ان البريق الأولي انطفأ. يضاف إلى ذلك ان الأصولية ارتكبت أكبر حماقة في التاريخ عندما نظمت ضربة 11 سبتمبر، وكان في ذلك مقتلها. فلم تعد الأنظمة العربية الضعيفة وحدها ضدها وإنما أصبحت القوى العظمى كلها ضدها أيضاً.

وبالتالي فلم يعد أمامها إلا حلين لا ثالث لهما: إما ان تواصل طريق التعنت والعنف ورفض العالم الحديث وتكفيره والانغلاق في الماضي الغابر وفقه القرون الوسطى، وإما ان تتطور فقهياً وفكرياً وسياسياً وإنسانياً كما فعلت الحركة الأصولية التركية بقيادة رجب طيب أردوغان وعبدالله غول وسواهما، وكما تحاول ان تفعل حركة حماس الآن. بل وكما يحاول ان يفعل التيار الإصلاحي المستنير في إيران نفسها. وعندئذ يمكنها ان تحتل كل المكانة التي تستحقها داخل الساحة العربية وتشارك القوى العلمانية والمدنية الأخرى مسؤولية حكم البلاد وإعمارها.

كاتب سوري

باريس