عندما تذكر دبي بأبراجها الشامخة وأسواقها العالمية وعندما يتحدث الناس عن كثافة شوارع دبي والاختناق المروري يتحفز عقلي للكتابة عن أسطورة عمرانية، لما تسجّله من انجازات خارقة وقوة جذب للناس بكافة فئاتهم ومن انحاء الكون. لقد تفوقت دبي على كثير من مدن العالم احتلت مكانة متميزة على اصعدة مختلفة، دبي أصبحت حقلا للدراسة والبحث العلمي والتأمل الفكري لدى عدد الباحثين والمفكرين من الجامعات العالمية. عمران صهر الأصالة بالحداثة وقرّب الشرق إلى الغرب لتقدم لنا دبي نموذج تنمية محير وإنجازاً لا نستطيع ان ندعه يمر دون تساؤل وتنظير وبحث. دبي وضعت مقاييس جديدة للمدينة والاداء المهني والتجمع الإنساني العصري.
وقصتي مع دبي عمرها أكثر من عشر سنوات عندما عادت منها احدى طالباتي في الجامعة الاميركية في القاهرة بعد رحلة تدريب حرفي، لتحدثني عن رؤية جديدة لمدينة مذهلة، عن قصة تنمية عالمية المقاييس عربية الأصل، عن قوة اقتصادية اجتماعية خارقة في المنطقة، عن مدينة شابة واعدة تتجمل بملامح شرقية غربية اسلامية عالمية.
حيرة لم تفارقني منذ ذلك الوقت، أرسمها للقارئ بصورة تحليل بعد دراسة وبحث وقراءة لسنوات وملاحظات مباشرة، حيث حظيت أن أكون ضيفاً في الامارات الجميلة وأزورها من مدينة العين حيث أعمل بجامعة الامارات. أدرسها على الشبكة الالكترونية وفي المكتبات والصحف وأتابع رسائل الدكتوراه والاطروحات العلمية والبرامج الأكاديمية التي تقوم من أجل التفسير والتحليل والتقييم لما يدور بدبي.
دبي الآن على مقربة من عقلي ونفسي أتأمل واتفحص بدقة مناخها الاجتماعي الفريد، كيانها الذي يتجدد كل يوم وشواهدها العمرانية التي تبعث الحديث في اللسان والدهشة في العين وتبهر العقل بالسؤال. كيف ولماذا وإلى أين هي ماضيه؟!
أقدم هنا تحليلاً علميا لما تسجله دبي من انجازات وقوة جذب للبشر واسمها الذي يروج في أسواق المال والاجتماع والدين والسياسة بل والسياحة أيضاً.
وحيث أتأمل أسواقها وأرى الشيوخ تنافس الأطفال والمرأة تسبق الرجل وأهل الأعمال يتحاورون مع رجال الدين من كل الفئات والثقافات واللغات، تجسد دبي أمامنا نموذجا عالمياً جديداً يسرق النوم ويحث على الدراسة. أدرس فيها سرعة الزمن وقيمة المكان وكثافة الحركة الانسانية وتعليق الزائرين التي تعكس قيماً ومعايير جديدة.
وما شكل دبي عام 2007 وكم عدد سكانها وعدد الجنسيات التي تقطنها وكيف تبدو شوارعها وبحرها وسماؤها فوق كل هذه الجموع البشرية التي تمثل لقاء ثقافات العالم وحضاراته المختلفة حيث اتت وتفاعلت وانسجمت وعملت واختارت دبي مسكناً لها. ارى طاقة عقل تمكنت من بناء واقع، أرى النفس التي لا تخاف ان تجرؤ على تحدي الخوف نفسه كما ارى امكانيات جمعت طاقة التاريخ على اللحظة بتقنياتها وامكانياتها لتحلق في سماء المستقبل، عربية مسلمة بخطاب عصري موجّه للكون كله.
ومن هذا اقدم للقارئ تحليلاً اجتماعياً نفسياً علمياً يستند إلى رؤية نظرية أصلية متواضعة اسميتها نظرية الانشطار العقلي Cognitive - Emotive Fission رؤية تحاول تفسير السلوك البشري على المستوى الشخصي والاجتماعي في عصر تفاعل الثقافات واختصار الحدود الجغرافية، عصر العلم والتقنية الحديثة التي لم يسبق للتاريخ ان سجّلها. وقد تكونت هذه النظرية من خلال البحث الميداني والدراسة والخبرة العلاجية في أميركا والعالم العربي منذ عشرين عاماً، وملخصها:
أن السلوك البشري يعكس تجسيداً لنوعين من الطاقة والقوة تخضعان للبحث العلمي والبرهان والتجربة، احداهما مادية نتعرف عليها بالحواس الخمس. والأخر معنوية ترمز لها الأفكار والعواطف والعلاقات وما ينجم عنها من مؤشرات تدل على وجودها. وهنا اشير الى أن الطاقة المعنوية تنقسم إلى محركين الأول هو الطاقة الفكرية وكيانها المعرفة والعلم والمعلومات واللغة،الخ من أشكال الطاقة الفكرية التي عادة ما نلخصها تحت مفهوم العقل. ويقابلها محرك آخر حتمي وهو الطاقة النفسية وكيانها المشاعر والعواطف مثل ( الخوف، الغضب، الحب )،الخ والتي تنشأ في نفوسنا من خلال علاقتنا وتفاعلنا مع الاخرين وعادة ما نلخصها بالنفس.
الانسان مخلوق يتميز بالعقل (الطاقة الفكرية) ميزه الله به عن بقية المخلوقات في الكون ويعتبر العقل هو السلطة العليا التي تتحكم بسلوك البشر وبعواطفهم وكيانهم، تمكننا من التمييز والاختيار. وقوام العقل هي المعتقدات يتألق بها أو يصدأ! السلوك الانساني والانجازات هما خلاصة تفاعل الطاقات (المادية والنفسية والعقلية ) التي يتمتع بها الفرد والتي تتفاعل مع امكانيات وحدود البيئة المادية والاجتماعية التي ننشأ فيها.
يتولد من خلال تفاعل الطاقات (الفكرية والعاطفية) صراعات وتناقضات وتصادم ينجم عنه الانشطار الفكري - العاطفي في داخل الانسان أو المجتمع طاقة موجه للسلوك إيجابياً أو سلبياً. يطوع الانسان الطاقة الفكرية والنفسية باختياره ومهاراته الذاتية ويحدد كيفية استخدامها وغاياتها بناء على رؤيته للواقع وقناعاته وتقييمه للامكانيات (البشرية والمادية) لذا تحدد قوة الامم ومكانتها بعطائها واخلاقها وامكانياتها.
تنبعث الشخصية من هذه العملية الانسانية الديناميكية _ والتي أقدمها على شكل نموذج علمي يحتوي على سبعة أنماط وهي: الشخصية العالمية، الوطنية، المتمردة، المنسحبة، الترحالية، المغتربة، الصفرية. تعود الخلفية العلمية لهذه النظرية لعلم الاجتماع والنفس والفلسفة. ونظراً لضيق المساحة سأقوم بإيجاز ملامح الشخصية العالمية.
شخصية تتمتع بنظرة ثاقبة واسعة منفتحة على الاخر تملك طاقة ومهارة غير عادية على التلاؤم مع المتغيرات وانتاج أفكار جديدة غير نمطية. تفكيرها غالباً خارج السياق المألوف للثقافة، تقنية، طموحة، متجددة على الدوام، ومن هذا المنطلق ترى النظرية المجتمع الانساني ككتل وشبكات من تفاعل الطاقة المادية والعقلية والنفسية تتمثل على صور انجازات وعلاقات ومؤسسات، وتتجسد بما تعكسه من صور مختلفة نراها في حياتنا اليومية سواء من جوانبها المادية أوالمعنوية:
فالقيم والمعتقدات والحب عناصر مركبات الواقع المعنوي وتحركها الطاقات العقلية والنفسية والسيارة التي نقودها والبرج الذي نشيده تجسيد لتفاعل الطاقات الثلاث هدفه أن تكون الحياة أفضل، كما تقدم النظرية مقياساً لفحص وتقييم المجتمع والشخصية ومكوناته هي: المعايير والمعتقدات والعادات والتقاليد والقيم (NBCTV Paradigm) او التي تغرسها ثم تروج لها البيئة الاجتماعية، واعود لأطبق النظرية على بحثي لدبي، ولا أخفي سعادتي البالغة لما حققته الامارات العزيزة من انجازات رائعة على مستويات عديدة لكن هذه السعادة أجدها مصحوبة بالخوف والحذر والمسؤولية فأنا اؤمن أن النجاح صعب وأصعب منه صيانته واستمراره فالتنمية عملية قوامها العقل والعمل والتخطيط لاهداف وتطويع الامكانيات.
فحينما أتحاور مع زملائي الاكاديميين في أميركا يسألونني عن الامارات وجوابي دائماً ملخصه أنها انجاز عربي متميز يستحق الدراسة والتقييم والبحث وألخص كلامي بالقول انها أميركا بالعربي.
ارى أن دبي استطاعت ان تقدم نموذجا جديدا ينجذب اليه البشر ويحتار معه الاميركيون قبل اليابان ويتحدث عنه العرب مع الاوروبيين للأسيويين والافارقة وهذا ما أسجله حينما آخذ ملاحظاتي الميدانية عن هذه التجربة الانسانية الفريدة حينما أقضي ساعات في السيتي سنتر أو الامارات مول أجلس وأراقب وأحلل تفاعلا ومشاركة ومناخا اجتماعيا عالميا تتمثل فيه معظم ثقافات الكون.
التفت إلى اللغات التي تتناثر حولي وألوان البشر حيث تختفي الحواجز الثقافية وتتفاعل لتصب هذا المجتمع العالمي الجديد. تجربة عمرانية فريدة طلت علينا لتذهل عقولنا وتجعلنا نعود إلى دفاترنا القديمة وملاحظاتنا النظرية ومناهجنا البحثية!
دبي جعلتنا نعيد صياغة العديد من الفرضيات العلمية والنظريات التي ارحنا عقولنا بتقبل مصداقيتها لنقع مرة أخرى الان فريسة الطموح والحيرة والاصرار على الوصول إلى اجابة عن ما يدور في دبي. وإذا ما تيقنا ان الرجال هم من يبني المدينة وان بناء انسان اصعب وادق واخطر من بناء أعلى الابراج، واذا ما آمنا ان الله يسر الكون كله لكي يخدم الانسان،
وأن العقل هو أغلى وأقوى ما نملك لتوجيه وتخطيط طاقاتنا وإدارة حياتنا، فعلينا ان نقر ان التمكن من رؤية ثاقبة مسنودة بنفس متناغمة هما المحور الاساسي لكي نترجم الطاقة إلى فعل وانجاز يثير حيرة العالم ويستفز عقولها ويمنعهم من النوم.
ان المدن لا تبنى صدفة ولا تتمتع بالامن والاستقرار صدفة ولا ينجذب العالم لمكان صدفة، انها الارادة والادارة والحكمة وتطويع الامكانيات والطاقات المادية والعقلية والنفسية التي تبني المستقبل. فماذا يعني ما يجري بدبي وقوة جذبها؟ الخصها: المصالح، الفرص، الامكانيات، الحرية والمقدرة على العطاء، إنها الشخصية العالمية التي تجاوزت حدود الزمان والمكان والثقافة بل والعقل العربي بجغرافيته وتاريخه، لتكون الإمارات قصيدة فخر عربية وتظل دبي ساحرة الشرق وحلما من احلام القرن الثاني والعشرين، انها دبي عقل محمد بن راشد، الفارس العربي الذي يتحدث عنه العالم حيث ارتقت انجازاته إلى سماء كونية.
إنه صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي الذي يوجز انجازاته بقوله «ان ما ترونه هو فقط البداية»، حديث يأخذني ليوم حصولي على الدكتوراه حيث شعرت انني اكاد ابدأ مشواري في الابتدائية، طموح حدوده السماء، تبعثه فينا مجرياتك يا دبي،رعاك الله، فنحن نحتاج مثلك الكثير.
مفكر عربي - اميركي
jfatayer@uaeu.ac.ae