تبدو مبادرة السلام العربية التي أقرتها قمة بيروت عام 2003 في بؤرة النشاط السياسي الدولي مع اقتراب انعقاد قمة الرياض، والفضل في إعادة اكتشاف مبادرة السلام العربية يعود للجدل الذي أثير حولها عندما رفضت حركة حماس الالتزام بها واعتبرتها تنتقص من الحقوق الفلسطينية وكان الرئيس الفلسطيني محمود عباس أكثر الناس دفاعاً عن المبادرة وكرر مراراً أن الذين يرفضون المبادرة ولم يقرؤوها،

فقد كان بعض الناطقين باسم حركة حماس يقولون إن المبادرة تتجاهل حق العودة ويرد أبو مازن بأنه شارك شخصياً في إدراج القرار 194 في المبادرة وهو القرار الدولي المتعلق بحق العودة وهو قرار يدرج لأول مرة منذ اتخاذه في مبادرة عربية أو دولية.

وحقيقة أن مبادرة السلام العربية السعودية المنشأ واجهت نقداً من أناس لم يقرؤوها وإنما سمعوا عنها ولا يحق لأي سياسي أن يبني مواقف استناداً إلى السمع أو القول من آخرين. فهي تشترط التطبيع مع إسرائيل بانسحاب إسرائيل الكامل إلى حدود يونيو 1967 وإقامة دولة فلسطينية عاصمتها القدس وعودة اللاجئين.

وهذه الشروط رفضت من قبل إسرائيل أثناء القمة واعتبرها ارييل شارون لا تساوي الورق الذي كتبت عليه ورد على المبادرة بتشديد الحصار على ياسر عرفات وشن حملة قمع في مدن الضفة.

والإسرائيليون أيضاً خاصة وزيرة الخارجية تسيبي ليفني ووزير الجيش عمير بيريتس اعتبروا المبادرة العربية مؤخراً قاعدة انطلاق للعملية السلمية، وبينما طالب بيريتس بتبني المبادرة دون تحفظات معلنة طالبت ليفني ثم رئيس حكومتها ايهود اولمرت بإدخال تعديلات على المبادرة خاصة فيما يخص القرار 194 الذي اعتبرته المبادرة العربية أساساً لحل قضية اللاجئين،

لكن التعديل المطالب به إسرائيلياً وقوبل برفض عربي مبدئي لم يكن آخر المطاف حيث طرحت وزيرة الخارجية الإسرائيلية في خطابها أمام اللوبي اليهودي المؤثر في الولايات المتحدة «ايباك» الدول العربية بتطبيع علاقاتها مع إسرائيل دون انتظار حل القضية الفلسطينية لأن التطبيع من وجهة نظرها سيساعد على إنهاء الصراع! وهذا قول عجيب غريب لا يمكن فهمه إلا إذا عرفنا أن الوزيرة الأميركية كوندوليزا رايس تتبناه

حيث كررت أقوال ليفني بعد اجتماعهما في واشنطن الأسبوع الماضي، فالمطلب الإسرائيلي تعدى تعديل المبادرة العربية إلى التطبيع والمقصود بالتطبيع هو معسكر الاعتدال العربي الذي تحاول الولايات المتحدة إخافته بالملف النووي الإيراني وإظهار إسرائيل وكأنها أقل خطراً وربما حليفاً في هذه المسألة.

الإسرائيليون كعادتهم لن يعترفوا بمبادرة السلام العربية حتى لو تم حذف القرار 194 فالأسلوب الإسرائيلي المعتاد هو التعاطي مع جزئيات دون إبداء رأي حول الكل.. فإذا تم إلغاء البند 194 فهم لن يعترفوا ببند الانسحاب من الأراضي المحتلة عام 1967 ولن يعيدوا القدس.. ولن ولن.

فالمسألة هنا تبدو مثل كمين سياسي لانتزاع تنازلات لاحقة مثلما حدث مع الفلسطينيين. فالإسرائيليون لم يكتفوا بتبادل رسائل الاعتراف بين حكومة إسرائيل ومنظمة التحرير بل طلبوا تعديل الميثاق الوطني الفلسطيني ولما جرى تعديل الميثاق لم تحدث معجزة السلام وحل القضية الفلسطينية.

والخطير في الأمر أن الوزيرة الأميركية رايس قد أرسلت إشارات مسبقة في اتصالات مباشرة مع قادة عرب عن أنها ستطالب بتعديل المبادرة العربية، وهي أعلنت أن هناك ضرورة لمصالحة عربية إسرائيلية تصاحب محاولة حل الصراع (الفلسطيني ـ الإسرائيلي) وتتجاهل في هذا السياق الأراضي العربية الأخرى المحتلة مثل هضبة الجولان وما يطالب به اللبنانيون في مزارع شبعا.

والخطورة في هذا الأمر أن التطبيع قبل التوقيع يعني قفزاً في المجهول وحتى تعديل المبادرة العربية سيرتد إلى نحر العرب لأن إسقاط حق العودة أو إلغاء القرار الدولي 194 الذي يجب أن يستند إليه أي حل لقضية اللاجئين يعني تبرئة إسرائيل من أية مسؤولية تجاه اللاجئين وتحميل هذه المسؤولية إلى الدول العربية التي ستكون مطالبة بحل مشكلة اللاجئين على حسابها أي بالتوطين والتعويض وهذا عملياً شهادة براءة لإسرائيل من النكبة الفلسطينية.

القمة العربية مطالبة بالحفاظ على المبادرة العربية كما هي دون حذف أو تعديل لأن هذا يعني نهاية المبادرة عملياً لأن التحفظات الإسرائيلية - الأميركية عليها ستنسفها من الأساس وستجر إلى تنازلات لاحقة مثلما حدث مع خارطة الطريق التي انتهى بها الأمر لتكون مضغة في أفواه السياسيين الإسرائيليين والأميركيين دون تنفيذ حرف واحد منها.

حيث وضع الإسرائيليون 14 تحفظاً عليها نسفتها من الأساس وسارعوا إلى وضع وتطبيق الانسحاب الأحادي من غزة كرد عليها وأقنعوا العالم ومن ضمنهم الدول العربية أن خطة الفصل في الضفة والانسحاب من غزة هي خطوة على طريق تطبيق خارطة الطريق لكن الوقائع أكدت عكس ذلك، أي أن خطة الفصل هي لنسف خارطة الطريق ولمنع أية إمكانية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة.

رئيس تحرير صحيفة الحياة الجديدة ـ فلسطين