عوّدتنا الانقلابات العسكرية على اغتصاب السلطة والاستيلاء على الحكم والانفراد به وبالقرار السياسي وبتدبير شؤون الأمة كما يحلو للعقيد أو الجنرال. كما عوّدتنا الأنظمة العسكرية على الفساد وسوء الإدارة وفشل برامج التنمية- إن كانت هذه البرامج موجودة في الأساس.
الأنظمة العسكرية أثبتت في العديد من دول العالم أنها لا تؤمن بالتناوب على السلطة ولا بديمقراطية صناعة القرار والحكم الرشيد والإدارة الرشيدة والجيدة للموارد المادية والبشرية للبلاد. في بعض الدول، يتحكم الجنرالات والعسكر في سياسة البلاد خلف الكواليس وفي الخفاء. فهناك مدني في الحكم لكن هناك قوة عسكرية من ورائه تنسج خيوط السياسة والحكم في البلاد. وبهذه الطريقة يتحكم العسكر في شؤون البلاد بطريقة غير مباشرة.
أما الانقلابات العسكرية التي خرجت عن القاعدة ولم يكن اغتصاب السلطة هدفها فإنها نادرة ولا وجود لها ما عدا تجربة سوار الذهب في السودان في منتصف الثمانينات عندما أطاح بالنميري وسلم السلطة بعد سنة إلى الشعب. كما اشتهرت القارة السمراء وأميركا اللاتينية بالانقلابات العسكرية وهناك دول عديدة في العالم يحكمها العسكر بطريقة علنية ومباشرة، وأخرى يحكمها الجيش بطريقة غير مباشرة.
الأنظمة السياسية العسكرية تتميز بإقصاء الشعب من الحياة السياسية ومحاربة كل أنواع الممارسة الديمقراطية ووضع القيود والضغوط على الحريات الفردية والمعارضة والابتعاد عن الرشادة الاقتصادية وصناعة القرار وفق الأسس الديمقراطية.
يقوم بالانقلاب ويتعهد أنه لا يستولي على السلطة، بل سيعيدها للشعب بعد إجراء انتخابات رئاسية نزيهة وديمقراطية ومفتوحة أمام أي شخص تتوفر فيه الشروط التي حددها الدستور للترشح لمنصب رئيس الدولة. هذا الكلام حدث في موريتانيا قبل 19 شهرا، بالتحديد في الثالث من أغسطس 2005.
آنذاك رأى بعض الملاحظين والمحللين والمتشائمين أن العملية ستتكرر والتاريخ سيعيد نفسه وأن العقيد محمد فال لن يتنازل على السلطة وأنه انتزعها من الرئيس معاوية ولد سيد أحمد الطايع ليحتكرها. حيث جرت العادة، وخاصة في هذا البلد، أن الانقلاب يأتي بالانقلاب والسلطة تبقى محتكرة من قبل العسكر.
فمنذ استقلالها تعوّدت موريتانيا على الانقلابات العسكرية، إذ يأتي عسكري ليطيح بآخر ليحكم فترة معينة ثم يأتي عسكري آخر ويقوم بما قام به سلفه وهكذا يبقى البلد يعيش في حلقة مفرغة ودوامة خطيرة لا تخرج عن منطق سلطة العسكر. فبالنسبة للشعب الموريتاني، أصبحت الحياة السياسية معروفة مسبقا حيث ان الانقلابات تتوالى والعسكر يحتكر السلطة، مما أدى إلى حرمان الشعب الموريتاني من حقه في اختيار من يحكمه وحقه في المشاركة السياسية وصناعة القرار والتمتع بالحريات المدنية والحريات الفردية.
المتتبع للقرارات التي اتخذتها اللجنة العسكرية للعدالة والديمقراطية برئاسة العقيد علي ولد محمد فال يلاحظ أن النية كانت منذ البداية إحداث القطيعة مع الماضي وعهد الانقلابات وتدشين مرحلة جديدة تعطي للشعب الموريتاني حقه في ممارسة النشاط السياسي.
ومن أهم القرارات التي اتخذها العقيد علي ولد محمد فال العفو الشامل على الموريتانيين المدانين بالجرائم والجنح السياسية بمن فيهم محمد خونا ولد هيدالة وعسكريون سابقون حُكم عليهم بسبب تورطهم في انقلابات سابقة. كما شكّل العقيد فال لجنة وطنية لحقوق الإنسان، الأولى من نوعها في البلاد، وتعهد بإلغاء العبودية.
ومن أهم إنجازات المجلس العسكري تحديد الفترة الرئاسية في خمس سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة فقط. كما أكد العقيد فال عدة مرات حياد المجلس العسكري في العملية الديمقراطية ومنع ترشح أي شخص منه للرئاسيات وأنه سينسحب من السياسة فور الانتهاء من الانتخابات الرئاسية.
تعيش موريتانيا مرحلة جديدة تخرجها من دهاليز الاستبداد والانقلابات العسكرية وتبديد ثروات البلاد. فالثالث من أغسطس 2005 يعتبر تاريخ القطيعة مع احتكار السلطة وتجريد الشعب من ثروات البلاد وحقوقه الطبيعية. وجاء المجلس العسكري ليبرهن للعالم بأسره أن موريتانيا دخلت عهدا جديدا بتوفير الإرادة واتفاق القوى الوطنية مع الشعب للممارسة الديمقراطية لفائدة الأمة بأسرها وكافة الشرائح الاجتماعية ولمصلحة الجميع.
ومع الأسف الشديد، هناك من رأى في التجربة الموريتانية «مهزلة» وهناك من ما زال لم يصدق ما سمعه أو ما شاهده على الفضائيات ومختلف وسائل الإعلام. وهناك من شكك في قدرات الشعب الموريتاني «البدوي» «الفبلي» في ممارسة حق الانتخاب وممارسة السياسة.
ومنهم من شكك في نوايا العقيد والعسكر الموريتاني في العودة إلى الثكنة وتسليم السلطة للشعب ليختار بطريقة ديمقراطية من يتولى الحكم في البلاد. لكن، هذه هي الحقيقة التي صنعها العقيد علي ولد محمد فال والمجلس العسكري. انتخابات رئاسية خاضها 19 مرشحا بحملات انتخابية وببرامج ومشاريع تنموية.
انتخابات كانت بشهادة الجميع بما فيهم الملاحظين الدوليين نزيهة وشفافة، أقبل عليها 70% من الناخبين، وهي نسبة جيدة بكل المعايير. برهن الشعب الموريتاني أنه متحضر ومتعلم ومثقف وجدير بالمسؤولية السياسية وبالديمقراطية وبممارسة التصويت واختيار من سيتولى حكم البلاد.
فالمجلس العسكري إلى حد الآن وفى بوعده والتزم بما قال، الأهم الآن هو العمل في الميدان وتحقيق مطالب الشعب وطموحاته. لقد ودّعت موريتانيا عهد الانقلابات العسكرية ودخلت عهد عودة العسكر للعمل في الثكنة وإفساح المجال أمام من اختارهم الشعب لتولي الحكم.. هكذا إذن، تدشن موريتانيا عهد الإصلاح السياسي والقطيعة مع زمن الانقلابات العسكرية وحكم العسكر والاستبداد وتبديد ثروات البلاد وتهميش العباد والفساد بمختلف أنواعه.
ستكتمل المرحلة الحاسمة من الانتخابات الرئاسية في شوطها الثاني إن شاء الله يوم 25 مارس 2007 لتؤكد على إصلاح سياسي نموذجي. التجربة الموريتانية الرائدة تقدم مثالا عن عودة الجيش إلى الثكنة وتسليمه السلطة للمدنيين. التحدي الكبير ينتظر الرئيس الجديد والفريق الوزاري الذي سيختاره لخوض غمار المرحلة الجديدة التي بكل تأكيد، ستكون مرحلة القطيعة مع الماضي وبناء مستقبل مبني على الشفافية والرشادة الاقتصادية والحكم الرشيد.
المرحلة المقبلة يجب أن تكون عند حسن ظن الشعب والعسكر، مرحلة يجب أن تقوم على العمل في الميدان والاستجابة لمطالب الفئات العريضة من المجتمع. فالهدف النهائي ليس الديمقراطية بحد ذاتها وإنما الديمقراطية ما هي إلا وسيلة لمكافحة الفساد والفقر والجهل وإشراك الشعب في تحديد مصيره بنفسه.
الشعب الموريتاني بحاجة إلى ديمقراطية توفر العيش الكريم وتستثمر الموارد المادية والبشرية أحسن استثمار من أجل رفاهية الجميع. يقدم النموذج الموريتاني مثالا يحتدى به في العديد من الأنظمة في الوطن العربي والعالم الثالث. مهم جدا أن الشعب يختار الرئيس، لكن الأهم أن هذا الرئيس يكون عند حسن ظن المجلس العسكري والعقيد فال وكافة الشعب الموريتاني الذي منحه ثقته.
فالخمس سنوات المقبلة ستكون الاختبار المهم بالنسبة للحكومة الجديدة لتكملة ما بدأه العسكر وللتأكيد على الحكم الرشيد والإدارة الجيدة لشؤون البلاد والعباد. إنجاز تاريخي يحسب للعقيد فال والمؤسسة العسكرية في موريتانيا وإنجاز حضاري يحسب للشعب الموريتاني، الأهم هو مواصلة المشوار وإتمام العملية الديمقراطية في الميدان من خلال توفير شروط العيش الكريم وتوفير شروط كرامة الفرد وحقوقه المدنية وحرياته الفردية.
كلية الاتصال
جامعة الشارقة