خلال النصف الأول من ثمانينات القرن الماضي استقر رأي الرئيس الأميركي رونالد ريغان وطاقم إدارته على أن رئيس السودان الجنرال جعفر نميري لم يعد بقاؤه مفيداً للولايات المتحدة، وخلال النصف الثاني من التسعينات توصل الرئيس بيل كلينتون وطاقم إدارته إلى قناعة مماثلة بشأن رئيس الكونغو (زائير) الجنرال جوزيف موبوتو، والآن يبدو أن قناعة كهذه تراود الرئيس جورج بوش الابن وطاقم إدارته بشأن رئيس باكستان الجنرال برويز مشرف، وعندما تتوصل إدارة أميركية إلى مثل هذه القناعة بشأن حاكم «صديق» للولايات المتحدة فإنها سرعان ما تشرع في إيجاد بديل.

هذه القناعة تتبلور بعد أن تحيط الأخطار الداخلية بالحاكم من كل جانب فيصبح من وجهة النظر الأميركية حالة ميؤوساً منها، مما يتطلب من واشنطن تحركاً حاسماً لإيجاد بديل مقبول جماهيرياً من أجل قطع الطريق عن القوى الداخلية المتطرفة. وبالتالي فإن أولوية هذا البديل السلطوي ـ فرداً كان أم تنظيماً ـ هي الالتزام بخدمة المصالح الاستراتيجية الأميركية.

نظام الرئيس مشرف يواجه الآن أخطاراً داخلية أينما التفت، هناك ائتلاف الإسلاميين الذي تتزعمه «الجماعة الإسلامية» بقيادة قاضي حسين، وهناك ثورة المنظمات القبلية في الشمال الغربي المتاخم للأراضي الأفغانية ـ وهي منظمات مسلحة متحالفة مع قيادة طالبان وتنظيم «القاعدة» في أفغانستان. وهناك شباب الضباط في المؤسسة العسكرية الذين يتعاطفون مع طالبان.

الإدارة الأميركية أرادت للجنرال مشرف أن يعرض نفسه في انتخابات رئاسية «تنافسية» بعد أن ينزع عن نفسه الصفة العسكرية حتى تزيل عن نفسها حرج تأييد «دكتاتور عسكري» وغني عن القول ان إدارة بوش تريدها أن تكون انتخابات ديكورية صورية كما هو حال أنظمة العالم الثالث الأخرى التي تحظى بدعم أميركي، ولكن مشرف من ناحيته لا يريد أن يفرط في منصب القائد العام للقوات المسلحة، فهو يرى في المؤسسة العسكرية أداته السلطوية للسيطرة على أمور الحكم، غير أن إصراره على التمسك بمنصب القائد العام كان من المحتم أن يقوده إلى صدام مع الهيئة القضائية كما جرى فعلاً.

تمسك مشرف بمنصب القيادة العسكرية العليا مع احتفاظه في الوقت نفسه بمنصب رئاسة الجمهورية يتناقض مع الدستور. من هنا كان تحرك الجنرال ضد كبير قضاة المحكمة العليا افتخار شودري، فقد أدرك مشرف أن القاضي شودري ليس من نوع القضاة الذين يلبون رغبات السلطة التنفيذية العليا في خرق الدستور أو القانون. أكثر من ذلك، أثار القاضي حفيظة الرئيس مشرف بطرحه تساؤلات قانونية بشأن «اختفاء» معتقلين سياسيين يقال ان بعضهم أو كلهم جرى تسليمهم إلى الأجهزة الاستخبارية الأميركية.

هكذا فتح مشرف على نفسه جبهة معادية جديدة بعد أن أدى إقصاء القاضي شودري إلى إشعال الشارع وإثارة جمهرة القانونيين من محامين وقضاة، وعلى خلفية التذمر المتصاعد ضد مشرف سمع الناس على نحو فجائي صوت بينازير بوتو زعيمة المعارضة الباكستانية في الخارج، كانت صوتاً مثيراً.. ونشازاً، فقد عرفت السيدة بوتو نفسها وكأنها بديل أفضل من مشرف في محاربة التطرف الديني». والسؤال الذي يطرح هو: «هل بوتو بديل أميركي في الانتظار؟