ابتلى العراق، منذ الاحتلال، بكل أصناف المجازر. الدموي الجنوني منها والاقتصادي والأكاديمي؛ ناهيك بالثقافي والعلمي. نزفها أنهك البلد ويكاد يطيح به وبمقوماته. وكأن ذلك لا يكفيه فانضمت مؤخراً إلى القائمة مأساة النزوح السكاني. هي مزيج من التهجير والتطهير المبطن.
في الآونة الأخيرة بدأت الأرقام تؤشر إلى أزمة إضافية مزدوجة البعد: نكبة لاجئين وعملية تفريغ وفرز سكاني. وقد تبدو أنها قضية عرضية مؤقتة، قابلة للمعالجة بعودة الأمور إلى وضعها الأمني الاعتيادي. لكن تفاقمها وتاريخ حالات اللجوء والاقتلاع، يفرضان عدم التقليل من خطورتها ووجوب الالتفات إليها قبل فوات الأوان؛ باعتبارها معضلة، إذا تركت على حالها قد تكون القشة التي تقصم ظهر العراق، في النهاية.
الوضع الأمني يستحوذ الآن على مجمل التركيز. لا شك أنه يشكل الهم المباشر الأول. وبالتالي معالجته لها جدارتها وتسويغها، لكن الخشية أنه يكاد يحتكر الاهتمام. جوانب أخرى من الوضع باقية على حالها النازف. ومنها موضوع النزوح من المناطق السكنية المختلطة في بعض المدن. وبالتحديد بغداد. والأرقام تتزايد بوتيرة مقلقة. ثمة تقارير كانت قد ذكرت قبل أسابيع، بأن أفواج العائدين إلى منازلهم بدأت تتوالى: في بغداد وغيرها. لكن تقرير «منظمة اللاجئين الدولية» الذي صدر في الأيام الأخيرة، يفيد بالعكس.
من الأرقام التي احتواها التقرير أن حوالي 160 ألف نسمة قد نزحوا إلى المناطق الشمالية ويعيشون ظروفاً حياتية بالغة الصعوبة؛ بدءاً من أوضاعهم المعيشية إلى قضايا العمل والتعليم والسكن وغيرها. وحسب تقارير أخرى، وصل عدد النازحين إلى حوالي ثلاثة أرباع المليون، في غضون السنة الأخيرة. هذا إلى جانب الذين هاجروا إلى الخارج والبالغ عددهم حوالي مليوني عراقي، وفق تقديرات الأمم المتحدة. الأمر الذي يشير إلى أن هناك عملية تهجير تفتك بالبلد.
والأدهى أن توقعات كافة المنظمات المعنية، من الأمم المتحدة إلى الهلال الأحمر العراقي وغيرهما من الهيئات الإنسانية ـ مثل المجموعة الطبية الأميركية العراقية التي كانت من أوائل الذين قرعوا جرس الإنذار في هذه القضية ـ؛ تفيد بأن موجات الرحيل والترحيل على تزايد؛ طالما بقي المشهد الداخلي على ما هو عليه. وحتى الآن تسببت عملية النزوح بمعاناة إنسانية متفاقمة، لم تتوفر الإمكانات اللازمة للتعامل معها. وليس من المحتمل أن تتوفر. وحتى لو توفرت فإنها لن تقوى سوى على تخفيف المعاناة؛ في أحسن الأحوال.
التعاطي مع المشكلة في مكانها، من دون التصدي لجذورها، يبقى عاجزاً عن حلها. وإذا كانت قد تفاقمت كنتيجة مباشرة لانفلات الحبل الأمني واحتدام العنف المذهبي؛ إلا أنها في الأصل منبثقة كالتدهور الأمني، عن غياب المشروع السياسي الوطني الجامع. فالنزوح، كالأمن، مشتق من الأزمة الوطنية الداخلية. لكن ذلك لا ينبغي أن يعفي من مسؤولية التصدي له الآن بالترافق مع العملية الأمنية؛ التي لا يضيرها أن تتواصل بموازاة عملية تعويم سياسي لا بديل عنه لانتشال العراق من محنته.