أراني متشائماً كمعظم العراقيين حول مستقبل بلدهم، كما أظهره استطلاع للرأي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية وجهات أخرى مؤخراً. وإذا كان تشاؤم العراقيين مبنياً على معاناتهم اليومية فيما يكابدونه من شظف العيش وانعدام الأمن، فإن تشاؤمي مبني على دراسة قرأتها مؤخراً لأستاذ العلوم السياسية بجامعة ستانفورد بالولايات المتحدة الأميركية البروفسور جيمس فيرون. والدراسة بعنوان: «الحرب الأهلية في العراق» منشورة في العدد مارس/أبريل من مجلة فورن أفيرز الرصينة، وأعادت نشرها جريدة النيويورك تايمز في 14 من الشهر الجاري.
في هذه الدراسة يبتعد فيرون عن العاطفة ليشرّح الوضع كما هو وليصدمنا برؤيته حول تطوره كما يفعل الطبيب حينما يشخص حالة المريض ولا يتردد في إبلاغه عن دائه العضال الذي اكتشفه. إن ما يجري في العراق هو حرب أهلية بكل ما يعني ذلك المصطلح من مضامين كالتهجير القسري، والانتقال إلى المناطق التي ينتمي إليها الشخص طائفياً، والقتل على الهوية، والتعصب الأعمى وغيرها. وتردد الإدارة الأميركية في استخدام هذا الوصف هو بسبب - كما يذهب فيرون - السؤال الذي سيثار وهو: إذا كان ما يجري في العراق حرباً أهلية فلماذا نحن موجودون هناك وسط حرب لا تخصنا؟!
ويعتمد فيرون في دراسته على المعطيات التاريخية للحروب الأهلية التي اندلعت منذ الحرب العالمية الثانية إلى الوقت الراهن (120 حرباً أهلية مازال 20 منها قائمة) فيرى من خلالها أن معدل القتلى فيها ألف شخص في السنة وأكثر، وأين العراق من هذا الرقم المتواضع!!
ويرى أيضاً أن متوسط استمرارها هو عشر سنوات!! إن 75 بالمئة من 55 حرباً أهلية كان الصراع فيها للسيطرة على السلطة انتهت بانتصار أحد أطراف الصراع (السلطة انتصرت في 40 بالمئة من الحالات والمعارضة ب 35 بالمئة منها). أما تلك الحروب التي انتهت بتقاسم للسلطة من قبل الأطراف المتصارعة فكانت أقل من تلك الأرقام بكثير، إذ لا تتعدى تسع حالات أبرزها السلفادور في العام 1992، وجنوب أفريقيا في العام 1994 وطاجيكستان في العام 1997.
وحسب السوابق التاريخية، كما يذهب فيرون، فإن تقاسم السلطة قلما ينجح، والسبب أن أطراف الصراع تتوجس من بعضها خيفة ولا تستطيع الثقة ببعضها بسهولة. هل يكون العراق في العام 2007 إحدى الحالات النادرة لتقاسم السلطة؟ يتساءل فيرون ويجيب: إن ذلك لكي يتحقق لا بد من وجود شرطين: الأول هو أن كل طرف لا بد من الوصول إلى قناعة بأنه لا يستطيع الحصول على كل ما يصبو إليه بالقوة. الثاني، إن اتفاقيات تقاسم السلطة غالباً ما تستمر لو كان كل طرف من الأطراف المتصارعة ممسكاً بزمام الأمور أو مسيطراً (بمعنى لا يشكو من الانقسامات والصراعات الداخلية).
إن كلا الشرطين غير محققين في الواقع العراقي للأسف، حسب الباحث فيرون. إذ ترى الكثير من الجماعات في البيت السني أن الذي يحول بينها وبين الوصول إلى السلطة أو العودة إليها هو قوات الاحتلال الأميركي، وبرحيلها يتحقق نصرها. ذات الشيء تراه جماعات شيعية في المقابل، وعلى رأسها جماعة مقتدى الصدر.
أما بخصوص تركيبة الأطراف المتصارعة فهي أيضاً تشكو من التصدع، فالقوى الشيعية تتكون من أحزاب وتكتلات متنافرة لا أقلها حزب الدعوة الذي انقسم تاريخياً إلى ثلاثة أحزاب، فضلاً عن جيش المهدي والمجلس الأعلى وغيرها.
وفي الجانب السني، الحال ليس بأفضل من ذلك، إذ لا يوجد حزب مسيطر وإنما مجموعات متنوعة لا تأتمر بأمر رجل واحد. ولو كان للمالكي - كما يعتقد فيرون - سلطة كتلك التي كان يمتلكها نيلسون مانديلا وحزباً كحزبه (حزب المؤتمر الوطني الأفريقي) لكان بإمكانه استقطاب قيادات سنية بارزة وإدماجها في حكومته فضلاً عن السيطرة على الصراعات القائمة بين الأحزاب الشيعية.
ويتوصل فيرون إلى نتيجة مفجعة - نتمنى ألا تصدق - وهي إن السبيل الوحيد لكي يتوصل الفرقاء في الحرب الأهلية الدائرة حالياً في العراق إلى قناعة بأن المشاركة السياسية وتقاسم السلطة هما الحل الوحيد للأزمة، فإن جولات دموية كثيرة ستشهدها الساحة العراقية يتم من خلالها فرض واقع على الأرض بحسب قوة كل فريق، قبل أن تتدخل القوى الإقليمية أو العالمية في تشكيل قوات لحفظ السلام كما جرى في العديد من بقاع التوتر في العالم.
وبنبرة ملؤها التشاؤم المستند إلى سوابق تاريخية يرى فيرون أنه سواء أبقيت القوات الأميركية أم رحلت فإن الصراع بين القوى والأطراف الفاعلة في الساحة العراقية سيستمر بضراوة وهو ما قد يؤدي إلى تقسيم العراق. وهذا الخيار لا يحبذه أحد في المنطقة فضلاً عن الولايات المتحدة الأميركية.
أما الاحتمال الآخر فهو الذي يستنتجه فيرون من أن معظم الحروب الأهلية تكون نتائجها نصراً يتحقق بقوة السلاح، وهذا قد يفتح المجال لعودة النظام الديكتاتوري (قد يكون نظاماً ديكتاتورياً سنياً أو شيعياً). وهذا ما لا يجب أن ترتضيه الولايات المتحدة بحسب كلامه.
إن أفضل خيار للولايات المتحدة يطرحه الباحث فيرون هو تشجيع المشاركة السياسية لكافة الأطراف بتقاسم السلطة تقاسماً يرضي الجميع، وخلق دولة عراقية قائمة على المصالح المشتركة للشعب العراقي بالذات في تقاسمه للثروة النفطية، وإقناع النخبة العراقية من كل الأطياف بأن من المستحيل لأي طرف من أطرافها منفرداً التمتع بثروة العراق النفطية. أما وصول تلك الأطراف إلى تلك القناعة فأمامه سيل من الدماء كما يتوقع فيرون مستنداً إلى الحروب الأهلية الكثيرة التي درسها والتي استشهد بها للتدليل على صدق ادعاءاتها.
ويبقى أن نقول: لا أحد من المخلصين يتمنى أن يصل العراق إلى ما يتنبأ به الباحث، رغم قوة حججه المستندة إلى دراسات مقارنة في الحروب الأهلية والمشكلات الداخلية التي عصفت بكثير من الأمم خلال هذا القرن بالذات في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، وإن الأمر بيد قادته، فإما أن يوصل هؤلاء القادة بلدهم الموغل بحضارته الإنسانية إلى بر الأمان وتتحقق المشاركة بالسلطة بما يرضي الجميع، فيخلدهم التاريخ، كما خلد أو سيخلد قائداً فذا مثل نيلسون مانديلا، أو يكون حالهم كحال القادة الذين لم يستطيعوا النظر أبعد من أنوفهم فوقعوا في شرك المصالحة الأنانية الضيقة فعاقبهم التاريخ على مر عصوره.
ولا شك أن الشعب العراقي يستحق أن يكون له زعيم بمواصفات نيلسون مانديلا.
كاتب كويتي
alyusefi@hotmail.comm
