بالتأكيد لم يقل السيد نبيه بري رئيس مجلس النواب اللبناني كل ما عنده عن الممارسات اللادستورية والتخريبية والتعطيلية لفريق السلطة أو بعض هذا الفريق على أقلّ تقدير، على الرغم من أن ما قاله يكفي ويزيد للدلالة على أن حكومة السنيورة اللاشرعية تسير بلبنان إلى الهاوية: حكماً، وفتنة، وتسلحاً ميليشياوياً، ورفضاً لمطالب المعارضة ولإرادة أغلبية الشعب اللبناني.
بري قال ما قال على مضض لأنه رأى كما أوحى «أن الكيل طفح»، وأنه لم يعد بالإمكان السكوت عن استفزازات رموز 14 شباط، وارتباطاتهم ودعواتهم العلنية لرهن السيادة اللبنانية إلى الأجنبي حتى ولو كانت إسرائيل منه.
وهناك من هؤلاء الرموز ـ وهم معروفون ولا داعي لذكر أسماء ـ من وصلت به الخيلاء والفوقية درجة بات يتحدث فيها باسم اللبنانيين كلهم، علماً أن ماضي وحاضر هؤلاء يؤكد أنهم لا يمثلون حتى الشريحة التي ينتمون إليها، وإن وجد هذا التمثيل فهو لقلة قليلة جداً، والوثيقة والرقم يؤكدان ذلك إذا كان لابدّ من عملية حسابية نسبية في هذا المجال.
ومن يتابع تصريحات هؤلاء ومؤتمراتهم وسفراتهم الخارجية وحركاتهم أمام العدسات، يستطيع أن يلاحظ بسهولة أنهم تعرضوا لعملية «نفخ» في الخارج جعلتهم ينسون من هم، وما موقعهم عند اللبنانيين، ومن يمثلون بالفعل، وماذا يقول عنهم الشارع العربي من غربه إلى شرقه على قاعدة «صديق عدوي هو عدوي أيضاً»، وهؤلاء من أعزّ الأصدقاء لعدو لبنان والعرب عامة: إسرائيل.
أصحاب الرؤية الوطنية والعروبية الحقيقية، وأصحاب التمثيل الواسع المؤثر الملموس في لبنان يتحاشون التحدث باسم كل اللبنانيين، ويتركون مكاناً للسياسة في أحاديثهم، ويؤكدون باستمرار على الوحدة الوطنية، ويحذرون من الفتن الطائفية، أما أولئك الرموز الصغار فلا يتركون وسيلة للتفريق بين اللبنانيين إلا ويتبعونها، ولا يدعون مناسبة تمرّ دون أن يوجهوا حقدهم وسمومهم إلى سورية، على الرغم من إدراكهم أن مثل هذا الفعل يزعج أغلبية اللبنانيين بفعل الترابط التاريخي الوثيق بين لبنان وسورية.
السيد بري قال بعض ما عنده، ورغم ذلك مدّ يده باسم المعارضة الوطنية كلها للحوار من أجل إخراج لبنان من أزمته المتصاعدة، فهل يستغل فريق السلطة مناسبة هذه اليد الممدودة؟ أم يستمر في غيّه، تاركاً قراره بيد رموز من بينه لا مكان لها إلا في الفتن، ولا هدف عندها يعلو على ما تتلقاه من باريس وواشنطن وبالتالي إسرائيل؟
حراك هذا الفريق حتى الساعة يشير إلى أنه يسير في الاتجاه المعاكس، ولكن مازال من الممكن القول: لعل وعسى.