القوة مع الاعتدال هدف يوازن بين السياسات الداخلية والخارجية، ولا يأتي إلا بعد نضج في الدولة، واستقرار داخلي، والمملكة حين صارت قطباً أساسياً في المنطقة لم تحصل على هذه الميزة كجائزة تمنح لها من هيئة، أو جبهة ما، وإنما نتيجة نجاح متواصل عندما وضعت استراتيجية، تبدأ بحل القضايا مع دول الجوار بترسيم الحدود، وإيقاف النزاعات لأن الأمن لهذه الدول لا يقوم إلا بتضافرها والتغلب على كل العوائق، ثم تنطلق إلى إيجاد علاقات دولية تتنوع فيها المبادلات التجارية والاقتصادية، ولا تحاول، وهي الدولة النفطية الأولى أن تخلق أزمات في سوق الطاقة، بل كانت عامل الاستقرار فيه حتى في حالات صعود أسعار النفط أو هبوطها مما يعني أن الدوافع تقوم على توازن المصالح، وعدم إحداث مشكلة تنعكس سلباً على الدول المنتجة أو المستهلكة.
وعلى ذات المستوى، رفعت سقف تعاملاتها مع القوى العظمى، سواء ما جرى من ترسيخ لصداقات تاريخية مع الغرب بجناحيه الأوروبي والأميركي، والذي كان هدفاً للهجوم عليها أثناء الحرب الباردة سواء من دول المنطقة التي تحالفت مع الشرق، أو تلك التي ظلت ماركسية، وشيوعية النهج والتطبيق، ثم كانت المرحلة الراهنة عندما لم تفاضل بين الشرق والغرب مما فتح الأبواب لإضافة علاقات أكثر أهمية مع روسيا والصين والهند ودون تناسٍ للدول المشابهة في النظام والأسلوب مع الغرب كاليابان وكوريا الجنوبية وتايوان وغيرها، بأن ذهبت في علاقاتها معها كي تبقى قائمة ضمن أطر متعددة للمصالح، ودون تنازلات عن الثوابت أو التدخل في شؤون الغير، أو خلق تحالفات مع وضد دول لها استقلالها في اتخاذ القرارات وحماية مصالحها..
في السنوات القريبة الماضية، شاهدنا المملكة واجهة إقليمية ودولية أي لم تقبل أن تتقاطع الطرق بينها، وبين إيران تبعاً لرغبة أميركية، ولا تركض لفتح سفارة لها في تل أبيب طلباً لصداقة الغرب، ولا توقف صلاتها مع باكستان من أجل الهند، أو تقطع علاقاتها مع تايوان ترضية للصين، وهذه المواقف أكسبتها ثقة الدول بمختلف انتماءاتها، حتى إن الزيارات المتبادلة بينها وبين دول ذات ثقل كبير في العالم، جاءت بناءً على استقرارها، وتطلعها لأن تكون علامة مميزة في المنطقة.
وخاصة في اتجاهها بتنويع مصادر دخلها عندما جاء توزيع المدن الصناعية والتجارية ليشمل وضع قاعدة تتعدد فيها مجالات النشاطات المختلفة بجانب الاتجاه إلى إيجاد كوادر وطنية تشغل كل الوظائف الكبيرة والدنيا، وهو الأمر الجاذب للعديد من الدول التي ترغب في مشاركة المملكة نهضتها الحديثة..