نحن على وشك الدخول في عالم الاحتراف، فقد أطلق رئيس مجلس دبي الرياضي، سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم، مشروع التحول من الهواية إلى الاحتراف والذي يأتي ضمن استراتيجية لتطوير كرة القدم في أندية «الدرجة الأولى» في مدينة دبي والصعود بها إلى مستوى العالمية، فضلاً عن سائر الألعاب الجماعية الأخرى.
وتأتي هذه المقالة كمواكبة لخطة مجلس دبي الرياضي التثقيفية التي تهدف إلى رفع مستوى الوعي بأخلاقيات الاحتراف، وتتعلق بتطوير أسلوب ممارسة احتراف كرة القدم، والسعي لتكوين جيل جديد من اللاعبين والمدربين والإداريين القادرين على التعامل مع الاحتراف كمنهج تصرف وأسلوب حياة وسلوكيات يومية، وأفضل أن أتناول هذا الموضوع في إطار حدثين عن «المدينة الفاضلة» التي نحلم بها جميعاً، والتي كتبت عنها سلسلة من المقالات من كافة الزوايا.
ومن الملفت للنظر أن اتحاد كرة القدم الإماراتي لم يحدد في أهدافه التي أوردها تحت عنوان «رؤيتنا» أي شيء يتعلق بالارتقاء بالروح والأخلاق الرياضية، ومن ثم فنحن ندعو إلى إضافة بند ينص على «الارتقاء بالأخلاق الرياضية للاعبين والمدربين والجمهور وتنمية أخلاق الاحتراف الرياضي».
كما لم نعثر على أي ميثاق للأخلاق الرياضية الاحترافية باللغة العربية لا في دول الإمارات وحدها بل في كل البلاد العربية.
والغريب أيضاً أننا لم نجد أي بحث أو كتاب في هذا الموضوع باللغة العربية!
وبصرف النظر عن هذه النقطة التي تعرضنا لها بالتفصيل في بحث مستقل يعد أول بحث بالعربية في أخلاق الاحتراف، فإن الهدف من الرياضة في المدينة الفاضلة هو تهذيب الجسد والنفس وتدريب الناس على التعاون وعلى الصراع الشريف وتسريب النزعات الصراعية في الإنسان من خلال قنوات شرعية حتى يتم إعلاؤها.
أما في المدن غير الفاضلة فيتم فصل الرياضة عن الأخلاق والقيمة وكل المبادئ الإنسانية. فأصبحت المقاييس التي تستخدم للحكم على الرياضة هي مقاييس الفوز فقط، وأصبح الهدف الوحيد هو تحقيق الفوز والبطولات والأرقام القياسية. ومن هنا استخدام المدن غير الفاضلة للمخدرات والمنشطات لتحقيق الفوز دون اكتراث بأي قيم أو معايير لا تقع داخل نطاق الرياضة.
أما في المدينة الفاضلة فالأخلاق الرياضية الاحترافية شأنها شأن أية أخلاق مهنية تؤكد على الأمانة والنزاهة والتجرد وتنظيم المنافسة وتوكيد الاحترام والتعاون بين أفراد المهنة، وحفظ الأسرار، وتحريم العمولات والرشاوى والإكراميات والمنح غير المشروعة. لكنها بالإضافة إلى هذه الأخلاق العامة التي ينبغي على الرياضي أن يلتزم بها توجد أخلاقيات خاصة زائدة توجب على الرياضي الالتزام ببعض الأخلاقيات الإضافية، فهي تحتم على الرياضي الالتزام ب«الروح الرياضية».
والروح الرياضية هي الأخلاق الخاصة التي تميز الرياضي، ولعل أهمها أن يقبل الإنسان الهزيمة بصدر رحب وطريقة متحضرة، ويحترم قواعد المنافسة، وعدم اللجوء إلى الأساليب غير الشرعية، وعدم إصابة خصمه بطريقة مقصودة، بل ربما تزيد عندما يوقف الرياضي اللعب عند إصابة الخصم ولا يستغل الظرف لتحقيق النصر.
وفي بعض الأحيان لا يلعب الرياضي على المنطقة المصاب فيها خصمه. ومن ثم يوجد للرياضة أخلاق خاصة تزيد على الأخلاق العادية التي تحكم الجميع، أي تلزمهم بأخلاقيات زائدة تفرض عليهم واجبات إضافية.
وفي الألعاب الأولمبية ـ أرفع مستويات وأطر المنافسة الرياضية على مستوى العالم ـ كانت الأخلاق واللعب النظيف والروح الرياضية والإخاء والسمو، هي الأطر الأخلاقية التي شكلت الملمح السائد للفكر الأولمبي، وهي في جوهرها قيم تعبر عن الأخلاق الاجتماعية المقبولة، والتي تعتبر ضمن إطار الاحتياجات الاجتماعية التي يمكن للرياضة أن تسهم في تحقيقها إسهاماً كبيراً.
وتقوم الأخلاق الرياضية في المدينة الفاضلة علي مجموعة من القيم، لعل أهمها: الإخلاص والسرية، فالسرية ضرورة أخلاقية قصوى، فلا يجوز إفشاء المعلومات الخاصة. وذلك فيما عدا الظروف الاستثنائية.. وهي: المخالفة للقواعد الأخلاقية أو وجود شيء يتعارض مع مصلحة اللعبة، أو أن تكون سلامة شخص آخر عرضة لخطر جدي بطريقة ما، أو التحقيق في قضية إدارية أو جنائية.. بناء على طلب من جهة قانونية أو قضائية. وفي كل هذه الأحوال يجب أن يفشي الشخص فقط المعلومات الضرورية التي تفي بالغرض، وعدم إفشاء أية معلومات غير ضرورية.
وعلى الرياضي الذي يتعهد بضمان السرية لاحدى الجهات التابع لها أن يلتزم بهذا العهد. كما على الرياضي المحترف أن يقوم بواجب الإفشاء والإبلاغ عن أية مخالفات. ومن ثم في حالة مواجهة بعض الأمور غير الأخلاقية على اللاعب أو المسؤول في المدينة الفاضلة أن يقوم بواجبه في الإبلاغ.
ويتجنب اللاعبون والإداريون أي وضع يمكن أن يؤدي إلى تضارب المصالح. وينشأ تضارب المصالح إذا كان لديهم مصالح خاصة أو شخصية تقلل من قدرتهم على حمل واجباتهم باستقامة.
والمصالح الخاصة أو الشخصية هي أي أمر يتضمن كسب أي ميزة ممكنة لنفسه، عائلته. أقاربه، الأصدقاء، والمعارف. ومن ثم يجب ألا تكون هناك مصلحة خاصة أو شخصية تقلل من قدرتهم على حمل واجباتهم كمسؤولين أو لاعبين، فوجود مثل هذه المصلحة من شأنه أن يؤدي إلى تضارب المصالح، أي تعارض المصلحة الخاصة مع المصلحة العامة.
وفي المدينة الفاضلة لا يجوز قبول وإعطاء الهدايا والفوائد الأخرى، لأن هذا من شأنه التأثير على إرادة الرياضي أو الإداري، وعلى الأقل سوف يضعه محل شبهة، لكن يمكن أن يتم هذا في إطار ما تسمح به العادات الثقافية المحلية على ألا يتجاوز ذلك القيمة النسبية المتوسطة في المناسبات الرسمية. وأي مخالفة لهذا الواجب الأخلاقي تؤدي إلى التعارض مع الأمانة، وتؤدي إلى تضارب المصالح.
وفي المدينة الفاضلة غير مسموح بقبول الرشاوى. أو هدايا أو ميزات أخرى. ولا مجال لأية عمولة أو سمسرة أو مشاركة في الأجور أو الأتعاب عن أي عمل مهما كان نوعه، ولا يجوز لأي رياضي أن يقبل بطريقة مباشرة أو غير مباشرة أية سمسرة أو عمولة أو أية حصة في الرسوم أو الأجور أو الأرباح عن أي عمل خارج المرتبات الرسمية. وجميع أطراف اللعبة في المدينة الفاضلة لا يدخلون في أية مراهنات بأي شكل من الأشكال المباشرة أو غير المباشرة.
وترفض الأخلاق الرياضية التمييز العنصري، والعصبية الدينية والتعصب بجميع أشكاله، وتحث على عدم الانسياق وراء تيارات العصبية العنصرية أو الاقليمية أو غيرها، وكذلك تجنب السخرية واللمز والتنابذ والطعن الشخصي والقذف والتجريح والمهاترات. ومن هذا القبيل وصف الشخص بجنسه، أو دينه، أو خلفيته العرقية، ما لم يكن هذا وثيق الصلة بالموضوع. وقول طرفات أو وصمات جنسية أو عرقية أو دينية.
ولذا يجب التعاون مع الزملاء واحترامهم دون تمييز بينهم، وعدم التشكيك فيهم دون ضرورة تدعو لذلك. والعمل دوما في إطار روح الفريق بعيدا عن أي شكل من أشكال التمييز.
إن هذه الأخلاق الرياضية التي تحكم الرياضيين المحترفين في المدينة الفاضلة، هي التي نحلم بها والتي نرجو أن تتحقق في مدينة دبي في المرحلة المقبلة التي يتم فيها التحول من الهواية إلى الاحتراف تحت رعاية رئيس مجلس دبي الرياضي، سمو الشيخ حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الذي دشن استراتيجية للاحتراف الرياضي لن تؤتي ثمارها دون رفع مستوى الوعي بأخلاقيات الاحتراف، والتعامل مع الاحتراف الرياضي كمنهج حياة وكسلوك يومي محكوم بالقواعد الأخلاقية.
جامعة الإمارات
Razak-doc@ hotmail.com