أقل ما يقال عن القطب الفتحاوي البارز محمد دحلان أنه شخصية جدلية. وهو بهذه الصفة ثالث ثلاثة يتبنون الأجندة الإسرائيلية الأميركية. الاثنان الآخران هما نبيل عمرو وصائب عريقات.
مع أخذ هذه الحقيقة في الاعتبار وفي ظل التوافق الفلسطيني الذي تبلور حديثاً أليس من المستغرب والنشاز أن يلجأ رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن إلى تعيين شخصية جدلية مستشاراً رئاسياً للأمن القومي؟
لقد أخطأ أبو مازن من حيث الإجراء الشكلي ومن حيث المضمون.
محمد دحلان عضو في المجلس التشريعي الفلسطيني. والقانون الأساسي الفلسطيني يحظر على أي مواطن فلسطيني ان يجمع بين عضوية البرلمان ومنصب أخر. فكيف فات على المستشار القانوني للسلطة الفلسطينية ان ينبه أبو مازن قبل أن يضع توقيعه على قرار تعيين دحلان في منصب مستشار الأمن القومي؟
أما من حيث المضمون فان القرار الرئاسي يأتي في ظرف لم يكتمل فيه بعد التئام جراح الاقتتال الداخلي الذي كان دحلان يقود خلاله «القوات الخاصة» التي كانت تشتبك مع قوات «حماس». وكأن القرار يوحي بأن حالة الاقتتال لاتزال قائمة ـ نظرياً على الأقل.
ولن يقلل من الوقع السييء للقرار الرئاسي أن يتقدم دحلان باستقالة من عضوية المجلس التشريعي لكي يتفرغ لشؤون «الأمن القومي».
ومن الإنصاف ان نقول ان قرار أبو مازن ترافق معه قرار رئاسي آخر يقضي بإعادة تشكيل مجلس الأمن القومي لإفساح المجال لإشراك «حماس» في عضويته.. وبحيث تبقى رئاسة المجلس لرئيس السلطة الفلسطينية بينما يتولى رئيس الوزراء إسماعيل هنية منصب نائب رئيس المجلس.
لكن إشراك حماس في المجلس قد لا يكفي لمنع صدامات إجرائية محتملة مع فصيل فتح دون إحداث توافق على صيغة محددة لتفريق الأمن القومي بحيث تكون الفلسفة الحاكمة لاختصاصات المجلس هي تحرير الأرض من الاحتلال.
وفي هذا السياق ينبغي أن نستذكر أنه منذ قيام السلطة الفلسطينية في عام 1994 على أساس بنود وشروط اتفاق أوسلو كانت الفلسفة الأمنية الحاكمة للسلطة وأجهزتها هي قمع معارضي أوسلو. وعلى هذا النحو ولحين من الدهر اكتظت سجون السلطة بالمئات من المعتقلين السياسيين.
هذه الفلسفة ينبغي ان تتغير بصورة جذرية وشاملة اذا كان لمرحلة ما بعد ميثاق مكة أي معنى جاد ونبيل. ومثل هذا التغيير يتناقض تماماً مع نموذج العقلية الأمنية التي يتميز بها قياديون من أمثال محمد دحلان يستوحون سلوكهم الأمني من الأجندة الإسرائيلية الأميركية ويستشعرون حالة من الدفء في حضرة ايهود أولمرت وكوندوليزا رايس.
الوفاق الوطني الفلسطيني مصدر سرور وارتياح لكل فلسطيني وعربي مخلص. لكن كما أن لهذا الوفاق أعداء خارجيين فاننا لا ينبغي ان نخدع أنفسنا فنتجاهل ان له أعداءً داخليين أيضاً.
ومن السذاجة إذن ألا نتصور ان هناك تربصا داخليا ينتظر بروز ظرف ملائم لنسف الوفاق عن طريق اثارة فتن مفتعلة.