التعامل الملتبس لكل من واشنطن والاتحاد الأوروبي مع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية يشي بواحد من اثنين: إما أن يكون ذلك بسبب ارتهان الموقفين لإسرائيل والتماهي معها إلى أبعد الحدود، وإما أن يكون تعبيراً عن سياسة ابتزاز مفضوح للجانب الفلسطيني، اعتراف واشنطن والاتحاد الاوروبي بحكومة إسماعيل هنية يتراوح بين الإيماءة الرمزية وبين إطلاق إشارات الاستعداد للاتصال معها، وفي مجمله هو تعامل متذبذب خجول، في أحسن أحواله ومتناغم في سياقه مع سياسة إسرائيل ومقاطعتهاهذه الحكومة.

وحدها النرويج كانت حتى الآن الحاسمة في كسر المقاطعة المفروضة على الفلسطينيين، وأعلنت ذلك بوضوح، وقام وزيرها للشؤون الخارجية بزيارة غزة ورام الله.

ما عدا ذلك بقيت الردود ضبابية، صحيح حصلت اختراقات جانبية أو تلويح باختراقات، لكنها توالت بالتقسيط أو بالمفرق؛ ودوماً مرفقة بشروط، أو بوضع الحكومة الفلسطينية تحت الاختبار. آخر نموذج كان أول من أمس في أعقاب محادثات الترويكا الأوروبية ـ سولانا وشتاينماير وفالدنر ـ مع الوزيرة رايس في واشنطن، لقد اتفقوا على تأجيل أخذ موقف واضح من الحكومة، بانتظار أول قرارات هذه الأخيرة، ولتبرير هذا التأجيل زعموا أن الحكومة «لم تتخل رسميا» عن العنف وأن برنامجها لا يلبي تماماً مبادئ الرباعية!

«العنف» المزعوم وجدوه في عبارة «الحق في المقاومة» التي وردت في البرنامج الحكومي، والعبارة هذه تقرها كافة الشرائع والقوانين، في حالة الاحتلال، لكنها محظورة على الفلسطينيين؛ لأن هكذا تريد إسرائيل، مع أنها جاءت مرفقة بكلمة «المشروعة»، وطبعاً رحبت تل أبيب بهذا الموقف الذي يقضي بمواصلة الحظر الدولي على تقديم المساعدات للحكومة الفلسطينية.

اعتماد البعض التعامل مع بعض أعضاء الحكومة والاستمرار في مقاطعة البعض الآخر، قد يفسر بأنه الخطوة الأولى لمد اليد لكل الحكومة، لكنه أيضاً ربما كان محاولة لدق اسفين بين جناحيها؛ وذلك تحت ستار أن الخطوة الكاملة تنتظر القرارات والأفعال، خاصة وأن مقاربة موضوع الحكومة اتسمت من البداية بالتذبذب والردود المفتوحة على أكثر من تفسير.

في البداية ربطوا الموقف بتشكيل الحكومة وتركيبتها وببرنامجها، وجاء هذا الأخير بصيغة تعكس رغبة الحكومة في السلام وفي السعي إليه، وتكليف الرئيس الفلسطيني بمهمة التفاوض، يؤشر إلى هذه الرغبة، وغياب أية إشارة إلى العنف تؤكدها.

مع ذلك رأت واشنطن ومعها الاتحاد الأوروبي أن ذلك لا يكفي، فهو لا يلبي دفتر الشروط الإسرائيلية مقابل مطالبة الحكومة الفلسطينية بالتخلي «رسمياً» عن العنف، وهو أقرب إلى التعجيز أو التركيع، لماذا لا يطالبون إسرائيل معاملة الفلسطينيين بالمثل، وبالتالي إعلانها عن استعدادها المبدئي رسمياً، للتخلي عن التوسع والاستيطان والانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة؛ وذلك قبل الجلوس على طاولة المفاوضات؟

واضح أن الأوروبيين، موقفهم متميز ومتقدم، وواضح أن واشنطن سارعت إلى لجم تأييدهم لحكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية؛ بحجة أنه لابد من رؤية الفعل وعدم الاكتفاء بالكلام الفلسطيني، لكن مثل هذا الاختبار مفتوح بلا سقف، وقد يجري التذرع به إلى ما لا نهاية، الضمانة لعدم الوقوع في هذا الفخ، تكمن في تزايد الانفتاح الأوروبي على حكومة هنية وبما أمكن من السرعة.