عندما توحدت الولايات المتحدة الأميركية كانت قضية اللغة تحتل أهمية كبيرة وكان الأوروبيون يترقبون ما سيسفر عنه التنافس بين الإنجليزية والألمانية في هذه الدولة القارة، وعندما حسم الاختيار لصالح الإنجليزية اعتبرت النخبة الألمانية ذلك اليوم يوما أسود في تاريخ الأمة الألمانية.

ومنذ سقط الاتحاد السوفييتي والمحيط الأطلنطي يتحول إلى مساحة فاصلة بين الكيانين الأميركي والأوروبي، وكلما خطا الأوروبيون خطوة نحو تدعيم البناء الأوروبي كلما ابتعدوا عن أميركا الحليف السابق الذي أصبح منافسا بل ربما خصما للقارة «العجوز»، والتنافس بين العملاقين يتخذ بمرور الوقت صفة الشمول فتتسع مساحته وتتعدد ميادينه حيث تنزع فئات من النخبة السياسية على جانبي الأطلنطي إلى مزيد من تأكيد الاختلاف.

وفي مقابل اتجاه أميركي واضح نحو عولمة نموذجها تجاهد أوروبا لترسيخ الخصوصية ومواجهة مشروع العولمة الأميركي، ورغم ما يبدو سياسيا من أن أوروبا تبتعد عن مظاهر الأمركة وصولا إلى تقليص الدور البريطاني في المشروع الأوروبي حتى لا تكون بريطانيا الإنجلوسكسونية حصان طروادة الذي يتسلل منه النفوذ الأميركي، فإن ما يحدث بعيدا عن السياسة يشير إلى حضور أميركي قوي وبخاصة عبر نجاحات ملفتة تحققها الإنجليزية في قلب القارة الأوروبية، لتصبح اللغة - وليس الصواريخ النووية - رأس الحربة الأميركية!

الاقتصاد منزوع الهوية

المعلم الأهم للعولمة الأميركية اقتصاد حر لا يعرف حدود الدولة القومية ولا الهوية وهو ما كانت النخب الأوروبية الحاكمة الأكثر تأثيرا ترفع شعار مناهضته حتى وصول أنجيلا ميركيل لمنصب مستشار ألمانيا ببرنامج اقتصادي رأسمالي حسب الأجندة الأميركية، وفي مفاجأة ذات دلالة أعلنت الشركة العملاقة الألمانية للنشر والإعلام «بيترلسمان» قرارا مفاجئا تم بموجبه اعتبار الإنجليزية لغة رسمية للشركة التي تعمل في جميع أنحاء العالم تقريبا.

والقرار الذي اهتم به المجتمع الألماني وخصه بتقرير مطول موقع الإذاعة الألمانية (دويتش فيلله) على الانترنت ليس مجرد قرار اقتصادي في دلالاته، بل هو مؤشر على أن الإنجليزية تخطو بسرعة نحو احتلال موقع الصدارة داخل القارة التي عرفت دائما كحائط صد في مواجهة كل ما هو أميركي وفي مقدمة ذلك اللغة الإنجليزية.

وما قررته الشركة التي تعمل في مجال النشر والإعلام وبالتالي تمثل اللغة بالنسبة إليها شارة وسلعة ووسيلة تواصل معا لا يقل أهمية عن حدث مماثل هو اتخاذ بنكين أوروبيين قرارا باعتماد الإنجليزية لغة رسمية رغم أن أيا منهما ليس بريطانيا!

فبعد دمج البنكين الألماني «هيبوفرآينس» والإيطالي «أوني كريديتو»، بادر البنكان إلى اعتبار الإنجليزية لغة رسمية لهما، وبهذا تأكدت توقعات المراقبين بأن الإنجليزية في طريقها إلى احتكار سوق اللغات في عالم الاقتصاد والأعمال.

الكلفة الاقتصادية لا السياسية

وحسب الخبراء، فإن عمليات دمج الشركات وابتلاع شركات من قبل شركات منافسة يؤدي إلى مبادرة رؤساء هذه الشركات بتوحيد لغة الشركة وغالبا ما تكون هذه اللغة هي الإنجليزية. ويعزو المراقبون هذا التوجه إلى ارتفاع تكاليف الترجمة المباشرة والخطية ومن أجل تخطي هذه المشاكل وتوفير تكاليف الترجمة، تحاول الشركات اعتماد لغة رسمية واحدة لموظفي الشركة،

وهناك شركات في بلدان أوروبية صغيرة مثل النرويج والدنمارك وهولندا، تستخدم الإنجليزية لغة لأعمالها. ويعتبر المصرف الألماني «دويتشه بنك» مثالا يحتذى به إذا تحدثنا عما يسمى بـ «ثقافة اللغتين الرسميتين» فهذا المصرف يستخدم الإنجليزية لبحث مسائل على الصعيد الدولي، بينما يستخدم الألمانية إذا دار الحديث عن إبرام علاقات اقتصادية محلية. وهذه الطريقة لا يستخدمها هذا البنك الألماني فقط، بل تستخدمها أيضا العملاقة الألمانية «سيمينز».

فالاقتصاد إذا أدير بمنطق الكفاءة والمنفعة دون تأثيرات عاطفية وأيديولوجية سيؤدي بالضرورة لنوع من تعميم المشتركات التي لا تعني بالضرورة انتصار طرف وهزيمة آخر، فاللغة الأكثر استخداما في الاقتصاد الدولي موقع تداولته لغات عديدة على مدى التاريخ بعضها لغات مشرقية وبالطبع في مقدمتها اللغة العربية، وهذه المشتركات التي تحتل موقعها عبر دورات طويلة من التداول تتم خلال قرون وتتحكم فيها اعتبارات اقتصادية في المقام الأول ولم تفلح المشاعر الوطنية لأية أمة مهما بلغت قوتها في وقف مسارها.

الإنجليزية تكتسح أوروبا

والاتحاد الأوروبي الذي يصل عدد اللغات المعتمدة لدى مؤسساته 23 لغة تتنافس على موقع اللغة الأكثر انتشارا فيه الألمانية وتنطق بها غالبية كبيرة في دول الاتحاد الأوروبي والإنجليزية الأكثر استخداما في المؤسسات الأوروبية، ويتكلم الألمانية نحو 83 مليون شخص كلغة أم ونحو 63 مليون شخص كلغة أجنبية لتحتل المركز الثاني بعد اللغة الإنجليزية أوسع اللغات «الأجنبية» انتشاراً،

والتي تستخدم لغة لأكثر من نصف وثائق الاتحاد الأوروبي، حيث يفضل ثلاثة أرباع العاملين في لجان الاتحاد ومفوضياته استخدام الإنجليزية في التواصل بينهم مقابل 15 % يفضلون الفرنسية و2, 8 % يفضلون الألمانية! وبسبب هذه التعددية اللغوية التي جعلت البعض يشبه البناء الأوروبي ببرج بابل ينفق الاتحاد مليار يورو سنويا على الترجمة.

تنكيس الأعلام

والمشهد بالنسبة لمناهضي العولمة ودعاة «الأوربة» أقرب إلى عملية تنكيس أعلام مهينة لإمبراطورية غاربة، فبعد سنوات من المناهضة ودق أجراس الخطر من «الأمركة» التي تكتسح القارة ومحاولة رص الصفوف في مواجهتها، ورغم وجود نصوص قانونية في بعض دول الاتحاد الأوروبي لحماية اللغات الوطنية ومشاعر اعتزاز قوية بشارات الهوية الوطنية وفي مقدمتها اللغة،

فإن القارة التي ولدت فيها المقولات القومية وبسببها احتلت اللغة موقعا غير مسبوق تاريخيا على صعيد أهميتها في تشكيل الهوية القومية للدولة الحديثة....هذه القارة هي نفسها التي تجبرها تحولات الاقتصاد على اعتماد الإنجليزية لغة لمعاملاتها الاقتصادية بعد أن فشلت هي - وبسبب المشاعر القومية نفسها -

أن تجمع الشركاء الأوروبيين على تبني لغة أوروبية واحدة تصبح في حالة تبنيها منافسا قويا للإنجليزية، لكن من عجزوا عن تجرع مرارة التنازل عن لغتهم الوطنية لأي من شركاء الخيمة الأوروبية يتقدمون بخطى «واثقة» نحو التنازل عن اللغات الأوروبية جميعا لحساب لغة «العدو الأميركي»!

ولله في خلقه شؤون

كاتب مصري