ذات يوم قلت لأحد مسؤولي الأمن عندنا، لابد أن يخاف الناس من القانون حتى يلتزموا به، لابد من تواجد دوريات الشرطة، ومطاردة هؤلاء الذين يقودون سياراتهم وسط الشوارع الداخلية والفرعية بسرعة لا مبرر لها، كما هو حاصل في كل دول العالم المتطور، لابد من وجود شرطة الدراجات النارية لأنهم الأسرع في الحركة وفي الزحام،

لكنه قال وبشكل قاطع: من وجهة نظري هذه الإجراءات خاطئة وغير حضارية، ونحن في الإمارات وفي دبي تحديداً نسعى دائماً لتقديم صورة عن الأمن ومجمل أوجه الإدارة والقانون بشكل متحضر، سلس وهادئ، إن وجود رجال الأمن والدوريات في الشارع يسبب حالة من التوتر والقلق، والمطاردات توحي وكأننا في نيويورك مدينة العصابات والمافيا، لا داعي لكل ذلك، الحملات الإرشادية والإعلامية تكفي!

كان ذلك منذ سنوات تعدّ على أصابع اليد الواحدة، لم يكن اتساع دبي قد صار كما هو اليوم، ولم يكن عدد السيارات التي تعبرها بهذه الكثافة والكثرة، ومع ذلك فقد كان السائقون متهورين، غير ملتزمين، ويمارسون سلوكيات قاتلة في الشارع ويتسببون في حوادث رهيبة، وبرغم عدم وجود الدوريات وعدم وجود المطاردات واختفاء رجال الدراجات النارية من شرطة السير في شوارع الإمارة إلا أن النتيجة لم تأت إيجابية ولا وردية أبداً!

في العاصمة الألمانية، كانت سيارة أجرة تقلني من المطار إلى الفندق، وكان السائق ملتزماً بقانون السير وسرعة الشارع، فقلت له: جميل هذا الالتزام والاحترام للقانون، فقال لي: في الحقيقة نحن نخاف من القانون أكثر مما نحترمه، نحن نخاف من العقوبات المفروضة ومن الإجراءات المعقدة حين يتعلق الأمر بمخالفة القانون وسرعة الشارع وحدوث الحوادث وخاصة الخطيرة. المسألة صعبة وعقوباتها كذلك! إذن فمن أمن العقوبة أساء الأدب، ومن خاف العقوبة التزم الأدب، نتيجة طبيعية جداً!

الناس تخاف من القانون أكثر مما تحترمه، خاصة هذه المستويات العلمية والحضارية والثقافية التي تملأ شوارعنا والتي تشكل 80% من سائقي السيارات عندنا، هؤلاء الذين يقودون الشاحنات والحافلات وسيارات الشركات وسيارات الأجرة والموظفون الصغار والعمال و...،

هؤلاء يأتون غالباً من شرائح اجتماعية واقتصادية وثقافية بسيطة، وبالتالي فثقافة احترام القانون ليست واردة لديهم. من هنا يمارسون في الشارع سلوكاً غير متحضر أبداً؛ تساعدهم على سلوكه عوامل أخرى تتعلق بحالة الزحام الشديدة والدائمة.

وبالرغم من الحملة المرورية التي تقوم بها شرطة دبي مع هيئة الطرق والمؤسسات الإعلامية المختلفة في دبي، إلا أن الحوادث لم تقدم دليلاً على تراجعها، بل العكس هو الصحيح، وهنا لابد من البحث عن الأسباب الحقيقية ومعالجتها، ذلك أن العقوبة شكل من أشكال العلاج،

لكنها ليست كل العلاج، وعليه فلابد من العودة إلى كثير من القوانين الصارمة والإجراءات المطبقة في بعض دول شرق آسيا (ماليزيا ـ سنغافورة مثلاً) عند استخراج الرخصة، وعند تسجيل المركبة وعند المخالفة، لابد من التشدد، فلم يعد الأمر يحتمل المزيد من اللطف في المعاملة!.

sultan@dmi.gov.ae