تحتفل أوروبا هذه الأيام بمرور نصف قرن على إقامة «الاتحاد الأوروبي» الذي بدأ مرحلته التأسيسية عام 1957 بعضوية ست دول فقط، بينما أصبح الآن يضم 27 دولة ويمثل أكبر تكتل تجاري على مستوى العالم. وحين يجتمع قادة الاتحاد في برلين هذا الأسبوع للاحتفال بيوبيلهم الذهبي فسيجدون أمامهم بالتأكيد الكثير من التحديات التي ما زال عليهم أن يواجهوها،

لكنهم في المقابل سيكون بين أيديهم سجل حافل بالانجازات على كل المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، التي حولت هذه «القارة العجوز» من ميدان للصراعات والحروب الثنائية و«العالمية»، إلى بيت مشترك يضم نحو 400 مليون نسمة، ألغيت بينهم الحدود وأصبح لهم برلمان واحد وعملة موحدة وهيئة سياسية مشتركة تتكلم باسم الجميع على المستوى العالمي.

ورغم أن الدستور الأوروبي الموحد لم ير النور بعد بسبب اعتراض شعوب خمس دول فقط عليه، إلا أن العمل مستمر لتحقيق ذلك وكل المؤشرات تدل على أن الانتظار لن يطول كثيرا. وسواء تمت الموافقة على الدستور بالإجماع أو لم تتم، فالمسيرة مستمرة ومتواصلة في كل الجوانب الأخرى، اعتمادا على الكثير المشترك والمتفق عليه دون التوقف عند نقاط الاختلاف والتباين، ولكن في الوقت ذاته دون نسيانها أو تجاهلها.

وبالطبع لم يكن تحقيق هذا الاتحاد العملاق أمرا سهلا أو من دون عقبات، فلكل دولة تاريخها الخاص وتراثها الثقافي المختلف، بل إن عقبة اللغة وحدها كافية لشل الكثير من نشاطات الاتحاد وعرقلته، لولا الإرادة الواعية والرؤية المستقبلية لضرورات الاتحاد ومكاسبه في عالم متغير لم يعد فيه مكان للصغار والضعفاء.

هذا فضلا عن الفوارق الاقتصادية الكبيرة بين الدول الأعضاء، حيث تبلغ الفجوة بين الدول الغنية والفقيرة في أوروبا نسبة 11 :1، لكن الكل ملتزم بتحمل واجبه ومسؤولياته تجاه الاتحاد، فالدول الأقل مستوى اقتصاديا ملتزمة بالإصلاحات الضرورية، بينما تتكفل الدول الغنية بمساعدتها للوصول إلى الحد الأدنى المطلوب وفق معايير الاتحاد.

هذا عن اتحادهم ويوبيلهم، أما يوبيلنا «فيا قلبي لا تحزن»! لقد سبقناهم بإنشاء «جامعة الدول العربية» عام 1945، أي قبل اثني عشر عاما من قيام النواة الأولى للاتحاد الأوروبي، وبدأت جامعتنا بسبع دول بدلا من الست الأوروبية، ومجموع الدول الأعضاء في الجامعة العربية 22 فقط، حتى الآن على الأقل، وليس 27 كما هو حال أوروبا.

ولكن ماذا عن سجل إنجازاتنا؟ وكم خطوة قطعنا في اتجاه تحقيق جزء، ولو يسير، مما حققه الأوروبيون؟ بل هل وضعُنا اليوم كأمة عربية، ذات لغة واحدة وعقيدة تكاد تكون موحدة، أفضل مما كنا عليه قبل 62 عاما؟ هل ألغينا الحدود أو خففناها ولو جزئيا؟ وأين عملتنا الموحدة أو حتى عملاتنا المترابطة والمتداولة في النطاق المشترك بيننا؟ ومن منا يتذكر أن هناك معاهدة عربية للتعاون الاقتصادي عمرها أكثر من 56 عاما؟

أما «ميثاق الدفاع العربي المشترك» فقد أصبح، هو الآخر، شيئا من الماضي، وربما البغيض عند البعض، وليس المنسي فقط! ومع أن ميثاق الجامعة العربية ينص على أن «الغرض من الجامعة توثيق الصلات بين الدول المشتركة فيها، وتنسيق خططها السياسية...

والنظر بصفة عامة في شؤون البلاد العربية ومصالحها»، بما في ذلك الشؤون الاقتصادية والمالية، وشؤون المواصلات، والشؤون الثقافية والاجتماعية والصحية وغيرها، إلا أن نظرة بسيطة للواقع العربي تكفي لمعرفة إلى أي حد تحققت الأغراض التي أنشئت من أجلها تلك «الجامعة» لفظا ليس له أي معنى في الحقيقة!

ولعل أبسط دليل على ذلك ما كشف عنه مؤخرا مؤتمر «تحديات محو الأمية في المنطقة العربية»، حيث أظهر أن 77 مليون عربي، أي ثلث السكان أو أكثر، يعانون من عاهة الأمية في عصر ثورة المعلومات و«ما بعد التكنولوجيا»، ناهيك عن باقي المجالات الأخرى!!

وبدلا من أن تسلك الجامعة مسار التطور الطبيعي، لتتحول دولها المتعددة إلى كتلة موحدة كما حصل في الاتحاد الأوروبي الذي يصغرها كثيرا، فإن بعض الدول العربية أصبحت كياناتها الذاتية ووحدتها الوطنية مهددة بالتفكك والانفراط.لكن الأمل يبقى، رغم كل ذلك، في أن تنتشر عدوى الوحدة الأوروبية لعلها تصيبنا ولو بعد حين، بدلا من تفشي العداوات والنزاعات بيننا أو انتشار انفلونزا الطيور.

ولعل القمة العربية المقررة الأسبوع المقبل في الرياض، عاصمة إحدى أهم التجارب الوحدوية العربية في العصر الحديث، وقلب الجزيرة العربية الموطن الأصلي لكل العرب، تكون الخطوة الأولى في استعادة الوعي واستلهام رمزية المكان وقربه من الكعبة المشرفة، قبلة المسلمين جميعا ومأوى أفئدتهم.