مما لا شك فيه أن الدول المتقدمة اقتصادياً هي أكثر الدول استقراراً سياسياً واجتماعياً وأمنياً وهذه المعادلة يتوجب من كل الدول تحقيقها وبالنتيجة تؤدي هذه المعادلة إلى نتيجة إستراتيجية تؤشر من خلالها نجاح سياسة الدولة قبل شعبها وقبل العالم.

إذن مفتاح نجاح الدول يكمن في نجاح سياساتها الاقتصادية، ولغرض ضمان هذا النجاح فيجب أولاً أن تتقيد الدول بنجاح العوامل الرئيسية والثانوية لتلك السياسة ومنها بناء أسس القواعد الاقتصادية بشكل صحيح والتي نطلق عليها البنية التحتية الاقتصادية ومنها يمكن الانطلاق وتحقيق الأهداف ولكن هذا بطبيعة الحال يتوقف على قوة هذه البنية الاقتصادية ومدى قوتها في التقدم والتطور الاقتصادي.

إذن العامل الرئيسي في نجاح العملية الاقتصادية وتطبيق سياساتها بشكل صحيح هو وجود بنية تحتية اقتصادية قوية والتي يتوقف عليها ليس فقط نجاح تطبيق العملية الاقتصادية وإنما تؤشر إلى مدى تحمل هذه البنية لحجم التقدم والتطور الاقتصادي وعلى هذا يجب أن نتفحص هذه البنية التحتية الاقتصادية

وكيفية تكوينها وما هي مكوناتها، ومن خلال هذه العوامل نصل إلى مدى جودة هذه البنية وكم تستطيع تحمله من بناء اقتصادي ومن تطور وتقدم وهل يمكن لهذه البنية تطوير نفسها بحيث يمكنها مواكبة التطور الاقتصادي العالمي وما يتطور من نظريات اقتصادية.

ومن الطبيعي أن تتضمن هذه البنية عناصر عدة، وكل عنصر له وظائفه، وأهم هذه العناصر هو البناء العلمي للقيادات الاقتصادية والعاملين عليها، وعلى ذلك نجد أن الدول التي لها بنية اقتصادية قوية فإن هذه القوة تكمن في القاعدة العلمية لها والمتمثلة في قوة البناء العلمي لكوادرها وقياداتها الاقتصادية فهي في سبيل ذلك تبذل الجهد لتكوين هذه القاعدة العلمية التي يمكن من خلالها الانطلاق نحو مستقبل أفضل والدخول في التحديات والعبور إلى مراحل متقدمة من النمو الاقتصادي.

وفي عودة إلى ما بدأنا به وهي أن الدول التي يشار إليها بأنها متقدمة اقتصاديا ومتطورة من هذا الجانب فما كان لها أن تنجح في مساعيها وتطبيق سياساتها الاقتصادية لو لا أن يكون لديها قاعدة قوية متكونة من كوادرها البشرية التي تستطيع تطبيق السياسات الاقتصادية والانتقال به من مرحلة إلى مرحلة متقدمة أخرى فهذا التنقل هو التنقل من نور إلى نور.

بل قد نجد هذه الدول القوية اقتصاديا قد لا تمتلك من الثروات بقدر ما تمتلكه دولة أخرى غير أنها متخلفة اقتصاديا، وأغلب الدراسات تشير أن تخلف تلك الدول الغنية بثرواتها يعود إلى عدة عناصر وأسباب وقد تكون منها عدم وجود قاعدة أو كوادر بشرية متعلمة تعليماً صحيحاً في كيفية إدارة دفة الاقتصاد في بلادهم، وبالتالي ينسحب على ذلك ظهور حالات سلبية في المجتمع تتفاقم لتؤدي تلك الحالات إلى ظواهر سلبية يكون من شأنها أن تولد عدم الاستقرار السياسي والأمني في تلك البلدان.

ونخرج من هذا التحليل أن هناك تحولات في العالم ونظرته إلى الاقتصاد وأهميته في تقدم الأمم والبلدان وتخلفها بل أن هناك معادلة توازن ودلالة على أن الدولة القوية باقتصادها هي دولة قوية بسياساتها ومجتمعها وأمنها في حين كانت النظرة السابقة أن الدولة القوية كانت قوية بمعداتها العسكرية وجيشها،

وهذه النظرية انتهت لتظهر النظرية الاقتصادية كقوة حقيقية للأمم والبلدان وهكذا هو حال اليابان وألمانيا اللتان أصبحتا قوتين عالميتين لا يستهان بهما نتيجة قوتهما الاقتصادية ويلحق بهما كل من الصين والهند. أما في دول العالم الجديد أو كما يطلق عليه دول العالم الثالث فهناك تجارب لبعض البلدان منها تجارب لاقت النجاح ومنها تجارب فشلت وفشل معها جهد دولة وشعب،

وسبب الفشل معروف وكما بيناه فيما سلف ونكرر أن من عناصر فشل السياسات الاقتصادية هو عدم وجود سياسة متزنة مع عدم بذل الجهد لبناء بنية تحتية تستطيع تحمل الضغط الاقتصادي ومن هذه العوامل عدم وجود كوادر بشرية اقتصادية متعلمة ومتفهمة لمراحل التطور والنمو الاقتصادي ولم يكن من بينها قيادات اقتصادية لها فكر متحرر نحو منظور اقتصادي حر.

إذن التعليم ركن أساسي من أركان البناء الاقتصادي وتطوره ونموه وبدون قاعدة التعليم سوف لم ولن يكون هناك اقتصاد قوي أو متطور، وهذا ما نلمسه في حال الدول العربية من عدم تحقيق نمو اقتصادي مما يؤثر على مستقبل الدول العربية،

حيث نجد أن هناك كما هائلا من الموارد البشرية دون استغلال وكما من الثروات الطبيعية وأراضي شاسعة ومواقع جغرافية متميزة وجميعها غير مستغلة استغلالا صحيحا مما دفع أبناء الدول العربية إلى الهجرة وخصوصا العقول العلمية لتستقر في دول غربية وعندها تعطي عطاءها.

في حين نجد في دول أخرى ونأخذ على سبيل المثال دولة الإمارات العربية المتحدة ورغم حداثة هذه الدولة إلا أنها اعتمدت في بناء قاعدتها وبنيتها الاقتصادية على العلم ومنه انطلقت في كل شيء وعززت قدرات ثرواتها واستغلالها استغلالا صحيحا من خلال تعليم أبناء هذه الدولة وزجهم في ممارسات خارجية لمزج الخبرات العملية مع الشهادات الأكاديمية

ولتكن في النتيجة كوادر وطنية متعلمة لها القدرة في قيادة وإدارة القطاعات الاقتصادية فكان البناء الأول وتلاه بعد ذلك مراحل التطور والتقدم العلمي والاقتصادي والاجتماعي وصولا إلى دولة نموذجية أصبحت الآن من أكثر دول المنطقة استقرارا سياسيا وأمنيا واقتصاديا

مما دفع كبار المستثمرين الأجانب والمحليين بل كبريات الشركات العالمية أن تستثمر أموالها في هذه الدولة مما أثمر عنه انتعاش اقتصادي كبير تم بناؤه على قاعدة صلبة ذات بنية تحتية متحققة فيها كافة عناصر النجاح والذي كان أساسه العلم، ولتكن هذه الدولة المثال والقدوة التي يحتذى بها من قبل الدول العربية الأخرى التي يجب عليها أن تعدل من مساراتها الاقتصادية والعمل على إعادة بناء القواعد الاقتصادية لها وفق أسس علمية

وإدخال الحداثة على الخطط الاقتصادية والتحرر من الروتين والجمود والانتقال إلى قوانين من شأنها تحرير الاقتصاد وتنميته وفق منظور علمي متطور يكون من شأنه في النهاية خدمة الدولة وشعبها وليس العكس، ذلك أن الثروات التي تمتلكها البلدان وبمختلف أنواعها إنما هي نعمة من نعم الله،

وعلى الدولة والمجتمع صيانة هذه النعمة والمحافظة عليها وتنميتها من خلال العمل على تطويرها والانتفاع بها أفضل انتفاع. وبعد ذلك ستجد هذه الدول أن عقول أبنائها المهاجرة ستعود إلى أحضانها لتشارك في المسيرة الاقتصادية لأن في نجاح السياسات الاقتصادية من شأنه أن يضفي الرقي والأمان لشعوب تلك البلدان.

كاتب إماراتي

rashid.shabib@binshabib.ae