ليلة 19 /20 مارس عام 2003 انطلقت صواريخ كروز والقنابل العنقودية صوب بغداد. والآن وقد حلت الذكرى الرابعة للغزو الأميركي على العراق علينا أن نستعيد إلى الأذهان أن الضرب بالصواريخ والقنابل لم يكن في حقيقة الأمر سوى تصعيد لحرب العقوبات الاقتصادية القاسية التي ارتدت بالشعب العراقي إلى العصر الحجري.

هذه الذكرى مناسبة لنطرح السؤال الأكبر: ما معنى أن تعد واشنطن العدة لشن حرب شاملة على العراق بذريعة امتلاكه أسلحة دمار شامل جاهزة للتشغيل الفوري بينما كانت الإدارة الأميركية على يقين تام بأن عراق صدام كان خالياً تماماً من هذه الأسلحة كما أثبت لاحقاً فريق تفتيش أميركي؟

نستعيد إلى الذاكرة أن وزير الخزانة في إدارة بوش استقال بعيد الغزو ونشر كتاباً قال فيه إن رئيسه اتخذ قرار ضرب العراق منذ الوهلة الأولى لتنصيبه في مطلع عام 2000. ولو كان بوش يملك أدلة دامغة بشأن أسلحة الدمار الشامل حينئذٍ لأمر بشن الغزو في ذلك الحين.

بوش إذن اشعل الحرب وهو لا يملك سوى سلاح الكذب لاصطناع وتلفيق ذرائع. بعد انفضاح كذبة أسلحة الدمار أعلن بوش للعالم أن الهدف من الغزو والاحتلال هو تحويل العراق إلى «نموذج ديمقراطي» يحتذى به في بقية أنحاء العالم العربي.

وبعد أن صار هذا الإدعاء موضع سخرية حتى داخل الولايات المتحدة نفسها لجأ بوش إلى تسمية ذريعة أخرى ذات أثر رجعي، فقد قال إن إدارته اتخذت قرار الغزو بعد أن ثبت لها أن نظام صدام كان متورطا في تحالف مع أسامة بن لادن وتنظيم «القاعدة».

وأسقط في يد الرئيس عندما سربت وكالة الاستخبارات المركزية تصريحات بأنه ليس لديها معلومات في هذا الصدد، تصرف قياديو الاستخبارات على هذا النحو عندما اندلعت معركة اتهامات متبادلة على خلفية تصاعد المقاومة العراقية بين البيت الأبيض ووزارة الدفاع والأجهزة الاستخباراتية.

هذا بدوره يقودنا إلى تساؤل آخر: لماذا قررت إدارة بوش أصلا ضرب العراق وتدميره دون مبرر مقبول مما اضطرها للجوء إلى نهج الكذب والتلفيق؟هناك هدفان غير معلنين: أولا حذف العراق نهائيا من معادلة الصراع العربي الإسرائيلي. وثانيا تمكين شركات النفط الأميركية من السيطرة على صناعة النفط العراقية عن طريق خصخصتها.

ربما يجوز القول إن الهدف الأول تحقق جزئياً بمعنى تدمير البنية التحتية للعراق وإشعال حرب أهلية مذهبية وهجرة العقول العراقية بالجملة إلى الخارج.وربما يجوز القول أيضاً إن الطريق أصبح ممهدا لتحقيق الهدف الثاني، ولكن: بأي ثمن؟

أولا: إن الكاسب الأول من التورط الأميركي في العراق ـ وأيضا أفغانستان ـ هو إيران.. ذلك أن قوتها تتصاعد كقوة إقليمية أصبحت قاب قوسين أو أدنى من أن تصير قوة نووية تهدد أمن إسرائيل.

ثانيا: أن الولايات المتحدة أصبحت في حال تدهور كسلطة أخلاقية عالمية وكقوة عظمى يتآكل نفوذها الدولي لصالح الصين وروسيا.

أما إذا نظرنا بعين المستقبل فإن على الطبقة الحاكمة الأميركية أن تتفكر في مغزى التذمر المتنامي في أوساط فئات الشعب الأميركي وما يعكس من تساؤل ضمني هو : إلى متى يضحي الشعب الأميركي بمصالحه الحيوية من أجل حماية أمن وبقاء الدولة اليهودية الإسرائيلية؟