في كلمته بمناسبة مرور أربع سنوات على اجتياح العراق، طلب الرئيس بوش من الأميركيين التحلي ب«الصبر»، وهكذا فعلت وزيرة الخارجية رايس.بعد كل هذه السنوات العجاف، وما أدّت إليه أحداثها من انهيارات وتفكك وجنون دموي، لم يكن في جعبة سيد البيت الأبيض ما يقدمه، لا لمواطنيه الذين بدأ ينفد صبرهم من هذه الحرب، ولا للعراقيين الذين ضاقوا ذرعاً، وباتوا أكثر تشاؤماً في الحال التي تخنقهم واحتمالاتها.
وكان يمكن له أن يسوّغ المطالبة بالمزيد من «الصبر» لو أنه اعتمد صيغة بديلة، توحي بإمكانية حصول انفراج، ولو بعد مرور فترة انتقالية.لكن المعالجة المطروحة ـ إرسال المزيد من القوات ـ وصفة من البضاعة ذاتها، التي انتهت بالبلد إلى ما هو عليه من حالة بائسة معروفة.
يقول الرئيس بوش: «إن المهمة الأبرز اليوم هي مساعدة العراقيين في ضمان أمن العاصمة، لأنه من غير ذلك سيكون من الصعب عليهم إحراز أي تقدم على خط المصالحة السياسية أو إعادة الإعمار»! أقل ما يمكن قوله في مثل هذا الكلام؛ هو أنه إصرار على وضع العربة أمام الحصان.
أولاً: إن توفير الأمن للعاصمة بغداد هو من الأهمية بمكان. فهي نقطة الثقل، كما إنها كانت وما زالت الميدان الرئيسي للعنف الدموي المنفلت من كل عقال، لكن مع ذلك، أمنها لا يختصر أمن العراق كله. ثم إن الخطة الأمنية الجارية فصولها حالياً ليست المحاولة الأولى لضبط الأمور في بغداد. وحتى كبار المسؤولين الأميركيين ليسوا واثقين من نجاحها. على الأقل في المدى القريب.
الحكم عليها يحتاج «إلى شهور»، على حد ما يقول وزير الدفاع الأميركي روبرت غيتس. وما يزيد من علامات الاستفهام والشكوك بإمكانية النجاح أن القوات المتحالفة الأخرى بدأت أو هي تعتزم سحب قواتها قريباً من العراق.
حتى بريطانيا، الحليف الأقرب لإدارة بوش، قررت خفض قواتها مع نهاية العام وانسحاب الباقي منها إلى قاعدة ثابتة خارج البصرة، ناهيك بالأصوات المتزايدة في الكونغرس الأميركي، المطالبة بجدولة الانسحاب والتي لا تنفك تحذر من أن زيادة القوات «لن تغير في الأمر شيئاً».
وإذا زعمت إدارة الرئيس بوش بأن هذه الأصوات تتعالى لأسباب سياسية؛ منها تصفية حسابات، ومنها ما يتصل بحملة انتخابات الرئاسة؛ لكنها ماذا تقول عن الأصوات العسكرية التي تحذر من المراهنة على الحل العسكري؟
قائد القوات الأميركية في العراق الجنرال بيتريوس قالها بصراحة، بعد تعيينه بأيام: «إن الحل في العراق ليس عسكرياً». قائد التأثيرات الاستراتيجية في العراق، قال في مقابلة أخيرة: إنه لا قدرة «على تحقيق السلام بالعمل العسكري وحده» وأن الأزمة السياسية لن تنفرج إلا بحلول عراقية.
كافة القراءات تتقاطع عند هذه النقطة. وبالذات الأميركية منها. بيد أن الرئيس بوش، بالرغم من الإجماع حول ذلك ـ ما عدا حليفته أستراليا ومنظري المحافظين الجدد في واشنطن ـ يؤكد ضرورة تثبيت الأمن أولاً في بغداد، ليكون من الميسور الدخول من باب الحل السياسي عبر المصالحة الوطنية. هل هو التشبث على طريقة «عنزة ولو طارت» أم هو الارتباك الذي قد يؤدي إلى وقوع المحظور؟