لم يكن الموسيقار مارسيل خليفة ولا الشاعر قاسم حداد يدركان أن شعرا حول «ليلى والمجنون» وتشكيل اللوحات الفنية الراقصة التي رافقها عزف مارسيل خليفة على آلة العود كثنائية حوارية بين الشاعر والموسيقى ستشعل غابة المدينة، ولكن يبدو ان من يحبون خطاب الموت وإغلاق باب الفرح على الناس يواصلون خطف الثقافة والمبدعين كقلعة أخيرة لم ينجحوا طوال تلك العقود من اختراقها، وحان الوقت لمحاصرتها وتقييدها بالسلاسل كما قيدت سلطات الظلام في التاريخ صوت الحلاج وابن رشد وغيرهما من العقول.

هاهو التاريخ يعيد نفسه في أقنعة وخناجر مختلفة، في أصوات تتعالى احتجاجا على ربيع الثقافة في المملكة لكي تمتلك سلطة نفوذ المحاكم التاريخية والعسف. لقد سعت تلك المجموعة منذ التأسيس إلى بناء دولة إسلامية من نمط طالبان في كل مكان تتحرك فيه ووفق تكتيكات محددة، تارة بالعنف وتارة بالمهادنة الصامتة لكي لا تمنع من النفاذ إلى معاقل حيوية ومهمة في الدولة والمجتمع ومن ثم التغلغل ابعد ما يمكن داخل أجهزة السلطة بارتداء قناع الممثل البارع وتتاح لهم العبور إلى المؤسسات الحيوية.

إن الهيمنة على المؤسسات الرسمية لا تكفي فلا بد من اختطاف المجتمع ووضعه تحت مظلتهم، فتم التأثير على قطاع واسع من الناس بالمشي عند الجدار والاحتماء بالصمت والمراوغة فالمهم عندهم التغلغل في أعماق المؤسسات الرسمية والمجتمع والتأثير على الجيل الشاب والنساء، ولكنهم عجزوا عن اختراق الثقافة فهي مرتبطة بنمط من التفكير والخلق والأسئلة الكونية حول الإنسان والوجود والحرية، ولا يمكنهم بناء مسرح عبثي أو واقعي أو لوحات سريالية وتكعيبية ولا المزاوجة بين التراث والمعاصرة والمغامرة الفنية بالتراث.

كما لا يمكنهم أن يقتربوا من الموسيقى فكل شيء فيها شرير وفاحش فما بالكم كيف ينظرون للرقص فهو في نظرهم إغراء وإثارة للغرائز وعمل من أعمال إبليس، وبعد عجز اختراق الثقافة وخلق ثقافة موازية، لا بد من تدمير الثقافة ومحاصرتها، بينما نجحوا في خطف المؤسسة التشريعية كمجلس النواب، مما أتاح لهم باسم التشريع الهجوم على الثقافة كما هي حربهم الخفية والمعلنة ضد الصحافة، فحرية الرأي توأم لحرية التعبير في الثقافة، وهما ينسجمان ويتفاعلان معا من اجل تعزيز الحريات والديمقراطية في عهد الإصلاح.

إن التيارات الدينية بذلك الانشغال تهرب من مناقشة القضايا الرئيسية في المجلس الوطني وتهتم بقضايا جانبية بفتح معارك شكلية والتضخيم لموضوعها لكي يبدو النواب الأفاضل هم التعبير الحقيقي عن هموم الشعب واهتمامه بالثقافة كقوة خارج سيطرتهم ولا بد من محاصرتها في المعركة القائمة، فإذا ما نجح المشروع ينطلق المناهضون للثقافة لما وراء ربيع الثقافة فهناك مشاريع لتقييد كل العقول والمبدعين في وطننا وتكميم الأفواه فيما بعد لمناهضة حرية التعبير والتفكير فتخلو الساحة لهم بعد تيئيس الناس والمثقفين من الدفاع عن حقهم في الوجود.

إنها معركة امتحان فعلية في البحرين بين الحرية والظلام والقمع، بين السجان الجديد والمبدع، بين راية الحياة والموت، وعلى كل المثقفين والمبدعين والناس الشرفاء والغيورين على الثقافة والحرية والرافضين للإقصاء في مملكتنا أن يرفعوا شعار الإسبان ضد الفاشية في الحرب الأهلية «لن يمروا» ضد تلك اللجنة العدوانية التي تقرأ الثقافة والإبداع بنظارتها المثقلة بالعتمة والتشاؤم والانتحار لتدمر الوطن تحت حجج واهية ومكررة، ولن يتوانوا عن اجترارها في كل مناسبة يرون فيها الناس سعداء وفرحين بالربيع فما بالنا أن ذلك الربيع ربيع ثقافي ومفتوح لجميع الناس.

الجميع في البحرين تذكروا ماضي مرسوم امن الدولة المقبور، ولكنهم اليوم يشبهون ذلك القرار النيابي بتمرير لجنة التحقيق بأنه مرسوم امن دولة ثقافي على سبيل الدعابة.

نتوهم أن من يحاولون الهيمنة على المجتمع برمته هم مجموعة تحركها الأهواء والرغبات، بقدر ما هنالك من مشروع اختطاف كامل للمجتمع بكل السبل والوسائل، وتشييد الثقافة الطالبانية.

ونخطئ إذا ما اعتقدنا أن محاكم التفتيش انتهى زمنها منذ القرن الثالث والرابع عشر وان موطنها كان أوروبا وحدها، فقد امتدت بعد تلك القرون إلى مناطق مختلفة وزمن مختلف، فقد تغلغلت إلى بلد كبلدنا على أمل أن تحكم قبضتها في الخفاء والعلن، ونخطئ مرة أخرى إذا ما تملكنا وهم السبات بأن تلك المشاريع ليست لها أبعاد خفية.

وبذلك يضحك الأصوليون مرة أخرى على ناخبهم بقدر ما يوهمونه بأنهم يدافعون عن الإسلام ويحمونه من الأشرار والدخلاء والثقافة المستوردة، ويكررون على أسماع المريدين والبسطاء في مجالسهم بأن الثقافة تلك تهديد لقيمنا وأخلاقنا وينبغي محاربتها وإلا ضاع الإسلام من وطننا وضاعت القيم والأخلاق من بين أيدينا من جراء تلك الثقافة اللعينة والشيطانية.

لذا انطلقت حربهم على ربيع الثقافة كجزء من الامتداد المستمر للحرب المتواصلة على البرامج الثقافية والفكرية التي شاهدناها دائما خلال هذه السنوات المنصرمة من عمر المجلس الوطني وعرفنا مرارتها معتمدين حاليا على أهم المنابر السياسية بعد اعتمادهم في السابق على المساجد كمدخل للحرب المعلنة على الآخرين وكأنهم وحدهم المدافعون عن الأخلاق في المدن الفاضلة.

ويلعب التيار الديني بكل اتجاهاته تحت قبة المجلس الوطني بوهم الخوف والرعب من ربيعنا الثقافي ونسيان وظيفتهم النيابية في متابعة ومناقشة الأولويات بهدف جر الناس لمتابعات شكلية وإيهام الناخبين أنهم يدافعون عن الفضيلة باعتبارهم الحرّاس الحقيقيين لبوابة الأخلاق الفاسدة.

إن تلك الروح العدوانية للثقافة لها تفسيرات عدة وعميقة الأبعاد وليس كما يتوهم البعض لكون الثقافة البذرة الروحية لشجرة الشعوب المتجذرة ولكونها القوة المؤثرة على الإنسان والمجتمعات ولا يمكن حصارها في مواد ومشاريع قمعية، غير أنهم يدركون أن مجرد انتزاعهم مواد تلجم حركة الثقافة فإنهم يدفعون مشروعهم لخطوات أخرى للأمام ينتظرون توقيتها لكي يتم الهجوم نحو مواقع متقدمة لمشروعهم الطالباني الخفي.

إن ربيع الثقافة يشكل نقطة تحول واختبار للجميع، الدولة والمجتمع وللتيارات المتصارعة وقوى الإقصاء والمصادرة. واليوم باسم الشرعية النيابية كمنت تلك القوة الظلامية داخل بيت الشعب لمعاقبة الشعب في أجمل جانب من حياته وهو الفن والأدب والثقافة، وهو المعبّر الحقيقي عن وجهه المنير في الداخل والخارج.

كاتب بحريني