تبدو الأوضاع العراقية شديدة القتامة في الذكرى الرابعة للغزو الأميركي‏..‏ وثمة إجماع في الرأي على أن الاحتلال الأميركي خطأ وخطيئة كبرى بالنسبة للسياسة الخارجية لإدارة الرئيس جورج بوش‏,‏ وتبدو انعكاساته كارثية‏..‏ ليس على العراق فحسب‏,‏ وإنما على مجمل الأوضاع التي تزداد اضطرابا وتأزما في منطقة الشرق الأوسط‏,‏ وليس أدل على ذلك من عدة اعتبارات من أبرزها‏:‏

أولا‏:‏ إغراق العراق في دوامات العنف والدم‏,‏ نظرا لتخبط واشنطن في إدارة مرحلة ما بعد الغزو والاحتلال في العراق‏,‏ وهذا ما يؤكده خبراء وكتاب وباحثون أميركيون‏.‏ فقد انساق وزير الدفاع الأميركي السابق رامسفيلد‏,‏ وعدد من أقطاب إدارة بوش وراء تصورات وهمية زينت لهم أن الشعب العراقي سوف يستقبل القوات الأميركية بالورد‏,‏ وعندما فاجأتهم المقاومة العراقية بضرباتها الموجعة احتموا وراء الجدران الشاهقة للمنطقة الخضراء‏,‏ بينما تحول العراق إلي مستنقع تغوص فيه هيبة أميركا‏..‏ حتي أصبح الانسحاب الأميركي من العراق مأزقا عسيرا‏.‏

ثانيا‏:‏ فتح الغزو والاحتلال الأميركي الأبواب على مصراعيها في العراق لتدخلات إقليمية‏,‏ خاصة من جانب إيران التي رأت الفرصة سانحة لإمكان النيل من أميركا بإرباك مخططاتها في المنطقة‏,‏ وهو ما أدى إلى تشابك حاد وخطر في المعادلات السياسية في المنطقة‏.‏

ثالثا‏:‏ أدي تخبط السياسة الأميركية وعدم إدراكها للحقائق الموضوعية الخاصة بالقوى العراقية إلي اختلاق مبررات للصراع الطائفي بين السنة والشيعة‏,‏ ذلك أن واشنطن وحلفاءها من حكام العراق جنحوا إلى إقصاء السنة من المعادلة السياسية للبلاد‏,‏ وهو ما أدى إلى الاقتتال الطائفي‏.‏

وفي ضوء هذه الحقائق صار الشعب العراقي أكثر تشاؤما وقلقا بشأن المستقبل بعد أربع سنوات من الغزو الأميركي‏,‏ وهذا ما كشف عنه استطلاع للرأي العام العراقي أجرته هيئة الإذاعة البريطانية‏(‏ بي‏.‏بي‏.‏سي‏),‏ ومحطة التليفزيون الأميركية‏(‏ إيه‏.‏ بي‏.‏سي‏.‏ نيوز‏).‏

وأوضح الكثير من العراقيين أن الظروف المعيشية صعبة‏.‏وأشار‏82 بالمائة‏ ممن شملهم الاستطلاع إلى أنهم فقدوا ثقتهم في القوات الأجنبية‏,‏ ويعارض‏78 بالمائة‏ وجود هذه القوات‏,‏ بل إن‏78 بالمائة‏ من العراقيين يرون أن هذه القوات يؤدي وجودها إلى المزيد من تدهور الوضع الأمني في البلاد‏.‏

يأتي ذلك‏,‏ في الوقت الذي تتعثر فيه الخطة الأمنية التي تنتهجها حكومة نوري المالكي تحت شعار فرض القانون‏,‏ وثمة مؤشرات على أن احتمالات فشل هذه الخطة أقرب من إمكان إحرازها تقدما أو نجاحا‏,‏ وهو أمر يثير المخاوف من الانفلات الجامح للوضع المتدهور في العراق‏,‏ ومن المؤكد أن الأوضاع العراقية تثير قلق العديد من دول الجوار الإقليمي‏,‏ نظرا لأن اشتعال الاقتتال الطائفي سوف تكون له انعكاسات سلبية على هذه الدول‏.‏

ولعل بارقة الأمل الراهنة في إمكان احتواء الأوضاع العراقية وعدم تفاقمها تتمثل في ضرورة تضافر الجهود الإقليمية والدولية لحل الأزمة العراقية‏,‏ وثمة دلائل علي هذا التضافر بدت خلال عقد مؤتمر أمن بغداد‏,‏ وتتأهب القوي الإقليمية والدولية لعقد مؤتمر ثان حول أمن بغداد‏.‏