يكثر الحديث هذه الأيام عن الإجراءات المشددة التي تتبعها وزارة العمل فيما يتعلق باستقدام العمالة، وعمالة المنازل تحديداً، وقد كثر اللغط حول عقود العمل الموحدة وحول الأجور العالية التي شاع بأن السفارات التي تتبعها هذه العمالة قد فرضتها على المكاتب وألزمت بها قوانين الدولة، وكان هناك فريق مؤيد لهذه الإجراءات باعتبارها تشكل الطريقة الوحيدة للحد من تدفق العمالة أولاً، ولمنع المهاترات الحاصلة فيما يتعلق بمعاملة الخادمات بشكل سيء في بعض المنازل ثانياً، مما شكل ضغطاً من نوع ما على مؤسسات الدولة.
ولا شك بأن الإجراءات المتشددة ضرورية، ولا يجب النظر إليها على أنها في غير صالح المواطن، فالقوانين لا يجب أن تبقى رخوة ومخترقة أو غير مفعلة لتكون في صالحه، وإذا ما تم التشديد في تطبيقها والصرامة في التعاطي معها اعتبرت في غير صالحه، علينا أن ننظر للأمام، للمستقبل، فليس وارداً أن تبقى أمور الاعتماد على الخدم وعمالة البيوت بهذا الشكل المتفشي وغير المنطقي، يجب إغلاق حنفية الخدم التي غمرت الحياة العامة والاجتماعية، وسببت غرقاً حقيقياً دمر كثيراً من البنى وأوليات الثقافة والعلاقات الاجتماعية بسبب الاعتماد المرضي عليهن.
ولا أعتقد بأنني أبالغ إذا قلت بأن هناك عائلات يزيد فيها عدد الخدم على أفراد المنزل، ما يشكل ظاهرة اجتماعية نادرة ربما ننفرد بها عن غيرنا وأيضاً دون سبب منطقي، اللهم سهولة الحصول على الخادمات وتدني أجورهن وعدم وجود ضمانات محددة تحد من استقدامهن وبهذا الإغراق. إن وجود خمسة أشخاص في المنزل يخدمهم ستة أو سبعة أشخاص ممن نسميهم عمالة المنازل أمر موجود أولاً، ومبالغ فيه ثانياً، ومرفوض ثالثاً، ليس فقط لأنه غير منطقي ولكن لأنه يشكل ضغطاً اقتصادياً على الدولة وعلى سائر بناها وخدماتها وتحويلاتها من العملة الأجنبية.
لقد وصل بنا الأمر أننا لا يمكننا الاستغناء عن الخادمات وجليسات الأطفال حتى في السفر، هذا السفر الذي ربما لا يستغرق أكثر من أسبوعين، نحن حتى في مدة أسبوعين لا يمكننا الاعتماد على أنفسنا والاعتناء بأطفالنا دون خادمة، هل تساءلنا ماذا يعني هذا السلوك؟ هل تساءلنا ما دلالته الاجتماعية والأخلاقية؟ هل تساءلنا عن نظرة الآخر (الخدم تحديداً) لنا ونحن نمارس هذه الاتكالية العجيبة؟ هل تساءلنا كيف يدبر كل الناس في دول العالم المتقدم أمورهم دون خادمة؟
ربما يقول أحدكم بأن الحياة في الغرب مختلفة، والتزامات العائلات والأسر تختلف عن التزامات البيت الخليجي، واستحقاقات الضيافة والحياة الاجتماعية والعلاقات تستوجب بل وتستلزم وجود خادمات يقمن بأعباء هذه الواجبات، إذن فلماذا لا نقنن حياتنا وسلوكياتنا؟
وحتى وإن وجدت الخادمة المساعدة فلماذا توجد جيوش من الخدم: الطباخ، السائق، المراسل، السكرتيرة، جليسة الأطفال، ملازم الرجل العجوز، الفلبينية التي تلازم الجدة و....، ألا يدل وجود هذه الوظائف على خلل اجتماعي ما، ألا يدل على وجود وظائف نحن من يجب أن يقوم بها وتخلينا عنها كسلاً أو مللاً أو ضيقاً، هل تساءلنا كيف يمكن أن تكون الحياة بلا خدم؟ وأظن أن هذه الحياة ستأتي ذات يوم!