طوى احتلال العراق عامه الرابع ودخل في الخامس، فترة شهدت تغييرات هائلة فوق ساحته، الأزمة تفاقمت تطوراتها بصورة كارثية، وتداخل فيها الخارجي بالإقليمي بالمحلي بحيث صار معها مصير البلد على المحك. والآن هو يقف على مفترق طرق خطير.

في الواقع هو في سباق مع الزمن، الاستحقاقات الفاصلة باتت على مسافة غير بعيدة والكل ينزف، فالورطة شاملة والخطر الذي يتهدد العراق الآن أن الأطراف المعنية في أزمته تبحث بالمفرّق عن خلاصها هي بمعزل عنه، كل منها يبحث عن ـ أو يعتمد ـ صيغة تكفل وقف نزفه أو تضمن موقعه؛ إذا لم نقل حصته، الأمر الذي يؤدي حتماً إلى وقوع البلد كضحية في آخر المطاف.

واشنطن المتورط الأكبر، والضغوط على إدارة الرئيس بوش تتصاعد للعثور على مخرج في الكونغرس، كاد قبل أيام أن يفوز مشروع قرار يؤدي إلى جدولة الانسحاب من العراق، الرأي العام الأميركي المعترض على سياسة الحرب بدأ ينزل إلى التظاهر في الشارع، ومعه أيضاً رأي عام دولي متزايد عكسته مظاهرات الأيام الأخيرة في عدد من عواصم العالم.

الديمقراطيون عازمون على ما يبدو على مواصلة الضغط على البيت الأبيض؛ بقدر ما يقترب فتح أبواب حملة انتخابات الرئاسة الأميركية؛ التي بدأت طلائعها ترتسم على المسرح السياسي الداخلي. الجدل الدائر في واشنطن حول العراق يطغى وبقوة على ما دونه، والإدارة الأميركية تلعب الآن ولغاية آخر السنة ربما ورقة خطتها الأمنية الأخيرة.

معظم التقديرات وبالذات الأميركية ـ من خطة بيكر إلى الكونغرس إلى العديد من المراقبين ـ تحذر من الاعتماد على الحل الأمني؛ باعتبار أن العراق تجاوز حدود السيطرة على أوضاعه الأمنية، لكن واشنطن ماضية في هذا الخيار. وبكل حال وفي ضوء السجال الساخن فإن واشنطن تبدو متجهة إلى نقل المسؤولية الأمنية الداخلية للسلطات العراقية؛ في غضون أشهر، والمخاوف كثيرة من الإقدام على مثل هذه الخطوة، في ظل غياب توافق سياسي عراقي شامل.

في الوقت ذاته، بقاء الاحتلال، لا يقدم العلاج، وتجربة السنوات الأربع حافلة بالشواهد على العكس، الأمر الذي يعيد الكرة من جديد إلى ملعب القوى العراقية المعنية، ولقد انعقدت مؤتمرات ولقاءات عديدة، إقليمية ودولية، كما حصلت لقاءات محلية وانتخابات وتشكيل حكومات، خلال هذه الفترة؛ لكنها لم تقوَ على وقف التدهور كما أنها كشفت أن الأمن لا يستقيم إلا إذا نهض على أرضية سياسية محلية صلبة.

بكل المقاييس والحسابات تبدو السنة الخامسة لاحتلال العراق حاسمة، البلد مفتوح على كل الاحتمالات، وليس سراً أنه يقف على حافة الهاوية، كما ليس سراً أن العوامل الخارجية والإقليمية تلعب دوراً وازناً في الأزمة العراقية؛ كما في تحديد وجهتها، لكن المؤكد، على الأقل حتى اللحظة، أن أحداً منها لا يمسك بمفتاح الخلاص لهذا البلد.

حتى لو كان على سبيل الجدل يريد ذلك؛ فهو غير قادر على الأرض، والقرار على أرض الواقع كان ولا يزال بيد العراقيين. هم المفتاح وهم الباب.