في أحد معارض دار النشر الهندية «فاك» في مدينة مومباي اشتريت كتابا بعنوان «خصخصة إسالة المياه» في مومباي لمؤلفه د. آ. ك. سينغ. يناقش المؤلف سياسة البنك الدولي المائية لخصخصة إسالة المياه في مومباي، بعد أن خصص البنك 325 مليون دولار كبداية لتمويل مشاريع خصخصة واسعة لقطاع المياه في الهند، شملت، بما في ذلك بيع أنهر بأكملها.وبعيدا عن صلب موضوع الكتاب استحضر لكم منه المعلومات التالية :
من داخل غابة «سانداي غاندي ناشيونال بارك» أو ما تعرف عند العموم بـ «بوريفالي ناشيونال بارك» تنبع الأنهار الصغيرة الأربعة لمدينة مومباي الهندية: ميذي، بويسار، داهيسار وأوشيوارا. وجميعها تصب في بحر العرب المتصل بمياه خليجنا الدافئة. يقول أهالي مومباي أنه لما حاول الإنسان، بسبب الإدارة السيئة للأنهر، التدخل في مسارها الطبيعي قررت الأنهر الأربعة بشكل جماعي معاقبة الأهالي فصبت جام «فيضها» على المدينة العريقة في كارثة عام 2005 التي أحدثت دمارا هائلا.
ترى هل حدث ذلك لأن مومباي تتمسك بقوة بصلة الماء والتاريخ، التي تربطها بالخليج وبلدانه ؟ أليس من بومبي (مومباي) بدأ كثيرون من تجار الخليج أنشطتهم وبنوا ثرواتهم ما قبل النفط ؟ أليس من دبي وغيرها من المدن الخليجية نشط في عهد النفط كثير من رجال الأعمال الهنود حتى أصبحت الهند، حسب صحافتها، نقلا عن مصادر عالمية، أصبحت تتصدر قائمة أصحاب المليارات في آسيا ؟
الحقيقة أن هذه الصلة تمتد إلى ما هو أعمق من الماء وأبعد من البيزنس.. إلى مسألة الحياة أو الفناء المشتركين. فمنذ سبعينات القرن الماضي لم يكن أنصار السلم والتضامن في بلدان المنطقة والعالم يتحدثون عن الأمن والسلام والتعاون إلا بشكل مترابط في المحيط الهندي والخليج كمنطقة واحدة تمتد إلى البحر الأحمر.
في السنوات الأخيرة كثيرا ما يجري الحديث في منطقتنا عن البرنامج النووي الإيراني رغم أن ملامحه العسكرية لم تتأكد بعد. لكن الحديث يجري أقل من ذلك بكثير عن البرنامج النووي الهندي الذي بدأ فعليا بشقيه السلمي والعسكري قبل أكثر من نصف قرن. فقد بدأت الهند من عام 1949 خطة للبحث عن مكامن اليورانيوم لم تكشف النقاب عنها إلا عام 1954. ومنذ أن أجرت الهند تجربتها النووية عام 1998 فقد غدت قادرة على إنتاج القنبلة الذرية.
لقد طورت الهند كل هذه الإمكانيات وفق برامج ذاتية وعميقة السرية. أما اليوم فتلوح في الأفق ملامح «صفقة» تعاون نووي بين الولايات المتحدة الأميركية والهند تنبئ بتمكين الولايات المتحدة الهند من توسيع وتسريع برامج التسلح النووي جهارا نهارا دون قيود، ما يشكل خطرا محدقا على السلام العالمي، ويزيح هذه الدولة العظيمة من مكانها المرموق في حركة عدم الانحياز ليجعلها تدور في الفلك الأميركي.
هذا القلق دفع بأنصار السلام في العالم وفي مقدمتهم منظمة تضامن الشعوب الأفريقية الآسيوية إلى التداعي مع حركات السلم والتضامن وحقوق الإنسان في الهند إلى عقد مؤتمر في مومباي يومي 10 و11 مارس الجاري لبحث فحوى وأبعاد هذه الصفقة.
ما هي الصفقة وماذا تعني ؟
إنها تعود إلى بيان مشترك أصدره رئيس الوزراء الهندي والرئيس الأميركي في 18 يوليو 2005 في واشنطن وأعيد التذكير بها في بيان مشترك آخر بينهما في نيودلهي في 2 مارس 2006 متضمنا عناصر الاتفاقيات التي تم التوصل إليها حتى ذلك الحين بين البلدين. إن توقيع الرئيس الأميركي على مرسوم هنري هايد في ديسمبر 2006 بعد مناقشات مستفيضة ومضنية في الكونغرس الأميركي من أجل إدخال تعديلات على قانون الطاقة الذرية الأميركي لعام 1954 تسمح بجعل هذه «الصفقة» ممكنة، يعتبر خطوة كبيرة على طريق تفعيلها في الحياة العملية.
هذه الصفقة تعني من حيث الجوهر تمكين الهند، وهي الدولة غير الموقعة على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، الدخول في علاقات تجارة اليورانيوم الدولية «المدنية» مع الولايات المتحدة الأميركية والدول الأخرى الراغبة في ذلك فيما يتعلق بالوقود والتكنولوجيات والمشاريع النووية.
وسيتعين على الهند أن تصنف ،حسب خيارها، مفاعلاتها النووية بين «مدنية» (لصناعة الطاقة) و«استراتيجية» (لصناعة القنابل) مع تأكيد الفصل بينهما. المفاعلات النووية «السلمية» وحدها فقط ستخضع لتفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية وللتجارة الدولية، بينما ستبقى المفاعلات «الاستراتيجية» خارج النطاقين. وفي هذه الحالة سوف تستخدم الهند كل اليورانيوم المستخرج محليا لأغراض صنع القنابل الذرية.
بعد تطبيق الهند لشروط اتفاقية مع أميركا تدعى «123» تحدد بموجبها الهند الفصل بين صنفي المفاعلات «المدنية» و«الاستراتيجية» سيقوم الكونغرس الأميركي بتطويع بعض الشروط التي تعترض عليها الهند في قانون هنري هايد، ثم توقع الهند اتفاقية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتفتيش على المفاعلات النووية «المدنية».
سيرفع هذا المشروع لمجموعة دول الـ 45 المزودة للإمكانيات النووية والتي لا تتعامل حتى الآن نوويا مع الهند كونها غير منضمة إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. تعود كامل حزمة الاتفاقية إلى غرفتي الكونغرس الأميركي للمصادقة النهائية. بعدها سيضع الرئيس الأميركي توقيعه، لتدخل «الصفقة» حيز التنفيذ. وبعكس ذلك لا يحتاج الجانب الهندي إلى أي تصديق نهائي من جانب البرلمان هناك.
أثارت هذه «الصفقة» قلق المؤتمرين من مختلف أنحاء العالم لأنها، إن مررت، فستشكل استثناء فريدا وسابقة تجعل الدعوة إلى خلق مناطق منزوعة السلاح في العالم بعيدة المنال، خصوصا في منطقة الشرق الأوسط حيث العربدة النووية الإسرائيلية وجنوب آسيا، حيث الدور الهندي الجديد.وستعني تمييزا صارخا في العلاقات الدولية «النووية» حيث سبق وأن رفضت أميركا عرضا بصفقة مماثلة مع باكستان، وهي تجبر إيران على التخلي عن تطوير برنامج الدورة التكنولوجية لتصنيع الوقود النووي.
وفي حين أكد العلماء الهنود المشاركون في المؤتمر على أنه لا البرامج النووية الهندية السابقة ولا «الصفقة» المزمع إبرامها لم ولن تعطي للهند الطاقة الأرخص والأأمن والأنظف والأكثر استقرارا ورأفة بالبيئة، فإنها ستضع الهند طرفا تابعا في الاستراتيجية النووية الأميركية.
الهند بكل عظمتها وتاريخها وثقلها ودورها السياسي والمعنوي في حركة عدم الانحياز، وبنزعاتها السلمية في حل كافة النزاعات المحلية والإقليمية والعالمية، يجب أن تبقى أكبر من أن تدرج ضمن الاستراتيجية النووية الأميركية الكونية، بل أن مكانها التاريخي والطبيعي هو قيادة شعوب العالم الأخرى من أجل تحقيق تلك الأهداف النبيلة السامية. ولهذا الدور دعاها المشاركون في ذلك المؤتمر، وكرروا الدعوة في المؤتمر الصحافي الذي عقد بعد ذلك في دار الصحافة يوم 12 مارس الجاري.
كاتب بحريني
ajnoaimi@gmail.com
