مع ممارسة حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية لمهامها رسميا بعد حصولها على ثقة المجلس التشريعي الفلسطيني وبأغلبية كاسحة، فإن الساحة الفلسطينية والجهود المبذولة لتحريك عملية السلام على المسار الفلسطيني والمسارات الاخرى تدخل بالفعل مرحلة جديدة من المنتظر ان تطرح آثارها بشكل او بآخر خلال الفترة القادمة.
ولعل اول ما يطرحه وجود حكومة الوحدة الوطنية، المشكلة من حركتي فتح وحماس، في موقع السلطة الفعلية هو انه لم يعد ممكنا لحكومة اولمرت او لأية حكومة اسرائيلية غيرها الادعاء بعدم وجود شريك فلسطيني، او الزعم بأن الحكومة الفلسطينية لا تمثل كل الشعب الفلسطيني او انها تمثل وجهة نظر فريق فلسطيني دون آخر.
بل على العكس من ذلك كله فإن حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية بتشكيلها وبمنحها الثقة من جانب المجلس التشريعي الفلسطيني ومن الشارع الفلسطيني كذلك، وبما طرحه الرئيس الفلسطينى محمود عباس ورئيس الوزراء اسماعيل هنية امام المجلس التشريعي الفلسطيني من خطوط ومحددات لعمل الحكومة الجديدة.
فإن حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية تملك في الواقع من القوة الحقيقية ما يمكنها من تمثيل الشعب الفلسطيني والسير ايضا على طريق العمل لتحقيق السلام واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 وعاصمتها القدس.
ومن المرجح ان ادراك اسرائيل لذلك بشكل محدد هو السبب الذي يقف وراء التحفظ والمعارضة الاسرائيلية المبدئية على حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية لأنها تعي جيدا ان هذه الحكومة هي حكومة حل وحكومة قادرة على الالتزام بما يمكن ان يتم التوصل اليه من اتفاقات في المفاوضات المحتمل اجراؤها بين حكومة اولمرت والرئيس الفلسطيني محمود عباس.
من جانب آخر فإن حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية التي جاءت، كما أكد رئيس الوزراء الفلسطيني اسماعيل هنية، في اطار المواثيق الفلسطينية بمافيها اتفاق مكة وفي اطار قرارات القمم العربية - بما فيها بالطبع مبادرة السلام العربية التي وافقت عليها قمة بيروت عام 2002 - وقرارات الشرعية الدولية، والتي اعلن رئيسها بوضوح التزامها بالاتفاقات التي وقعتها السلطة الفلسطينية واسرائيل وبالعمل من اجل استعادة الحقوق الفلسطينية واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة على الاراضي الفلسطينية المحتلة عام 67 وعاصمتها القدس من ناحية .
وتأكيد الرئيس الفلسطيني محمود عباس امام المجلس التشريعي الفلسطيني على ان الشعب الفلسطيني ينبذ العنف بكل اشكاله وانه راغب في السلام العادل والشامل بعيدا عن الحلول «المجزوءة والانفرادية» من ناحية ثانية تكون قد قدمت كل ما يمكنها لتمهيد الطريق أمام استئناف عملية السلام والتفاوض بين اسرائيل والرئيس الفلسطيني باعتباره رئيس منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس السلطة الوطنية الفلسطينية كذلك.
خاصة وان ما سبق الاشارة اليه من مواقف وتصريحات يفتح الطريق واسعا امام حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية عربيا ودوليا ليس فقط للاعتراف بها والتعامل معها ولكن ايضا لفك الحصار عن الشعب الفلسطيني واعطائه الفرصة لكي يتجاوز الخناق الذي فرض عليه منذ وصلت حماس الى السلطة وشكلت حكومتها في اوائل العام الماضي.
اما الموقف الاسرائيلي الرافض للتعامل مع حكومة الوحدة الوطنية الفلسطينية ومواقف بعض الاطراف الدولية الاخرى التي قد تسير في هذا الاتجاه فإنها مواقف غير جادة ولا يمكن ان تخدم السلام والاستقرار في المنطقة لسبب بسيط هو انه من غير الممكن ولا المقبول مطالبة الحكومة الجديدة بالتسليم بما يمكن ان تصل اليه في نهاية المفاوضات التي لم تبدأ بعد .
واذا كان الاتحاد الاوروبي قد اتخذ موقفا ايجابيا، فإنه من المهم والضروري توسيع نطاق هذا الموقف بفك الحصار عن حكومة هنية ومنحها الفرصة لخدمة مصالح الشعب الفلسطيني والوصول الى سلام عادل وشامل هي قادرة على الوصول اليه وتنفيذه ايضا اذا رغبت اسرائيل التي يبدو انها - اي اسرائيل - لا ترغب وقد لا تستطيع في ظل ظروفها الحالية تحقيق السلام وتحمل أعبائه.