بعد عشرين يوماً من هذا اليوم سيكون قد مضى على احتلال الأميركان للعراق أربع سنوات كاملة، تغير فيها كل العراق، اقتصادياً، سياسياً، عسكرياً، سكانياً، علمياً وتاريخياً.. هناك عراق جديد يولد من قلب المأساة، هناك طروادة أخرى تم استكمال حلقات تدميرها بحجة كاذبة.. تماماً كما حاصر ملك «اسبرطة» طروادة التاريخية وافترسها بسبب امرأة، وقد كانت هناك امرأة بالفعل في الحكاية، لكنها كانت مجرد مشجب ضخم علقت عليه حياة حضارة بأكملها!
خلال الأربع سنوات الماضيات، ملأت الولايات المتحدة العراق بالعسكر، بالعتاد، بالسياسيين الموالين ، عزلته عن محيطه، سيجته بالسجون والمعتقلات، طاردت من أرادت، أطفأت الحياة في عيون مئات الألوف من العراقيين، وتسببت هي دون غيرها في هجرة ملايين العراقيين وفق مبدأ «دمِّر ثم عمِّر، اقتل ثم انقل.. انقل الديمقراطية بكلفة دموية مستدامة». وفق ما ذهب إليه نصري الصايغ في كتابه «حوار الحفاة والعقارب»، مع ذلك فالعراق يبدو مستكينا لقدرية الذبح اليومي، ومحيطه العربي واضح جداً أنه قد غاب عن الوعي!!
لا أحد ينكر تفوق الولايات المتحدة عسكرياً، لا أحد يجهل أن عنف العسكريتاريا الأميركية قد بلغ مبلغاً لم تبلغه امبراطورية في كل التاريخ الإنساني، فالجميع يعلم يقيناً أن الولايات المتحدة عسكرت الفضاء والبر والبحر، وبأن قواتها البرية تنتشر في القارات الخمس عبر قواعد ثابتة مدججة وفي أكثر المناطق سخونة وحساسية، ولديها أكثر من 100 قمر صناعي للخدمات العسكرية.
وأساطيل تجوب محيطات الكرة الأرضية، وأسلحة دمار شامل وتفوق اقتصادي صناعي علمي مالي غير مسبوق.. هل هناك من لا يعرف أو من ينكر ذلك؟ لا أحد.. لكن ذلك لم يمنع الناس البسطاء الذين يعرفون والذين لا يعرفون من أن يقولوا للولايات المتحدة: عار عليكم ما تفعلونه في العراق!
القارة الأميركية الجنوبية التي كانت لسنوات حديقتها الخلفية التي تقيم فيها حفلات الشواء الكبرى لاغتيال الديمقراطيات وحركات اليسار والتحرر، ها هي هذه القارة ترتجف غضباً لأن رئيس الإمبراطورية قد قرر فجأة أن يزور «مزارعي حديقته» كما يعتقد ليتفقد أحوالهم.. فخرجت المظاهرات، وطهر الرهبان معابدهم من دنس بوش لأنه زار هذه المعابد برفقة الرؤساء.. أميركا نفسها تزحف في مظاهرات ضخمة مطالبة بخروج فوري من العراق حفاظاً على حياة الجنود الأميركيين الذين فقدوا حتى اليوم، ما يفوق الـ 3200 جندي.
أميركا الجنوبية غير عابئة بالعسكريتاريا الأميركية الضخمة، أوروبا كانت وما زالت أول من رفع يافطات المطالبة بالخروج وقبلا الاحتجاج ورفض الحرب، الأميركيون يتظاهرون، وعما قريب سيخرج سكان دول آسيا في إندونيسيا والفلبين وماليزيا وحتى اليابان والصين وأستراليا..
وحدهم العرب لا يعنيهم الأمر، وكأن العراق موجود على خريطة المريخ! مع أن البؤس يحيط كثيراً من مدنهم بأحزمة قاتلة، والعولمة طحنتهم، والمؤامرات الأميركية مزقت بلدانهم ومجتمعاتهم، وقسوة تفوق رأس المال تفتت الطبقات الفقيرة وتقود أغلب المجتمعات العربية نحو مجهول غامض.. مع ذلك فلا أحد يعترض على قتله في هذا العالم العربي!