تحت عنوان «عندما يرقص الذكر» ناقش برنامج «عندما يفتح الملف» في قناة «جرس» الفضائية على مدى عدة حلقات قضية أو حالة الشاب «تيدي» الذي امتهن الرقص الشرقي في أحد الملاهي الليلية ببيروت، وقدم البرنامج لقطات أو «كليبات» كما سماها مقدم البرنامج «جو» لفواصل من الرقص أداها «تيدي» بملابس صممت خصيصاً له - كما يبدو- لتبرز مفاتنه.
وقد أبدع «تيدي» بحق في الفواصل التي قدمها إلى الدرجة التي تجعله ينافس نجمات هذا الفن ذوات التاريخ العريق، بل ويهدد نجومية بعضهن الآيلة للأفول بحكم تقدم السن لدى بعضهن، وبحكم المنافسة الشديدة التي تتعرض لها هذه النجومية لدى البعض الآخر.
كما قام أحد مشاهدي البرنامج المتابعين لنشاط «تيدي» بإرسال مجموعة من الصور تضمنت لقطات له أخذت من زوايا مختلفة على المسرح، وأظهر بعضها أجزاء من ملابس «تيدي» الداخلية التي بدا واضحا أنها نسائية ساخنة. وكي ينحى البرنامج منحى علميا يبعد عنه تهمة الإثارة لمجرد الإثارة قام بترتيب لقاء بين الراقص الشرقي «تيدي» ومحللة نفسية أجرت معه حوارا يتسق مع الرقة التي يتمتع بها.
وكانت لطيفة معه إلى أقصى الحدود، لتخرج علينا في نهاية الحلقات بأنه ليس مريضا نفسيا وإنما هو «مريض فن» حسب تعبيره، وإن كانت قد نصحته وهي تقبّله مودعة بعدم الاستمرار في هذا الطريق إلى ما لا نهاية، داعية إياه إلى التفكير في الزواج والإنجاب وتكوين أسرة، في إشارة لا نعرف إن كانت خبيثة أم بريئة.
ليس الغرض من التطرق لهذا الموضوع مناقشة أخلاقيات الإعلام ولا مواثيق شرفه، ولا تلفزيون الواقع والافتراض بعد أن أصبحت هذه البرامج واقعا لا يمكن إنكاره كما لا يمكن غض النظر عنه وتجاهله لأنها تدخل كل بيت، وهي بحق مغرية يصعب مقاومة مشاهدتها بعد أن أصبح كل شيء في هذه الحياة رتيبا ومملا حسب رأي البعض ممن يبحث عن الجديد والمثير دائما.
ولكن الغرض هو التأمل في مجموع الآراء التي أبداها المشاهدون من خلال اتصالاتهم الهاتفية وعبر الرسائل النصية التي كانت تظهر أسفل الشاشة، وتعليقاتهم حول حالة «تيدي» وكيفية التعامل معها، ورأي المحللة النفسية التي تعاملت معه برقة متناهية، وإن كانت لم تستطع مجاراة رقته وأنوثته.
من الطبيعي ونحن نتحدث عن مجتمع شرقي يتمسك بالأخلاق والقيم التي تحدد مواصفات الرجولة وقواعدها أن نستمع إلى آراء تنتقد «تيدي» ومسلكه وتنعته بالوصف الذي يستحقه ولا نتصور أن يختلف عليه اثنان. وقد حدث شيء من هذا حيث استمعنا إلى آراء كثيرة من هذا النوع.
بل إن بعضهم أخذ على القناة تطرقها إلى هذا الموضوع وتسليطها الضوء على هذه الفئة التي سماها باسمها الحقيقي واصفا إياها بالشذوذ، لكن غير الطبيعي هو أن نجد من بين المشاهدين والمشاهدات من يدافع عن «تيدي» ويجد المبررات لسلوكه هذا ويعتبر مسلكه حرية شخصية لا يجوز الاعتداء عليها أو الاقتراب منها، إلى درجة أن بعضهم أبدى إعجابه به، وأكاد أزعم أنه كان يحسده على شجاعته ويتمنى أن يكون مثله.
الأمر الذي يدعونا ليس إلى طرح أخلاقيات الإعلام التي أشبعها الكتّاب وأساتذة الإعلام والباحثون كتابة ودراسة وبحثا، وإنما أخلاقيات المجتمع التي أصبحت تتسع وتستوعب موضوعات من هذا النوع، وتتقبل أشخاصا من هذه النوعية.
نحن لا نتحدث عن مجتمعات غربية تكونت فيها جمعيات وأندية للشاذين ووجد الشذوذ الجنسي من يدافع عنه ويقر زواج الشاذين ويسن له القوانين، وحيث لا يرى وزير أو عمدة مدينة أو مسؤول كبير أو أديب أو فنان أو رياضي حرجا في الإعلان عن شذوذه والظهور أمام كاميرات التصوير محتضنا صديقه، وكذلك الأمر بالنسبة للشاذات اللواتي لا يجدن حرجا في الظهور علنا مع صديقاتهن.
وإنما نتحدث عن مجتمع شرقي محافظ يفترض أنه لا يزال يتمسك بالحد الأدنى من الأخلاق والقيم التي أرستها الرسالات السماوية، وأقرتها العادات والتقاليد والأعراف الاجتماعية. وحين يصل هذا المجتمع إلى المرحلة التي يختلف فيها على اعتبار الشذوذ الجنسي البيّن خروجا على هذه التعاليم والعادات والأعراف أم أنها حرية شخصية يجب احترامها وعدم الاقتراب منها.
حين يصل إلى هذه المرحلة لا تصبح القضية قضية إعلام هادف وآخر هدام، وإنما قضية مفاهيم تتحول من اتجاه إلى اتجاه وتتغير بمرور الوقت، متأثرة بما يحدث حولها من تغييرات في المفاهيم والقيم، حتى لو كان هذا التغيير سيؤدي إلى انهيارها أخلاقيا وتفككها اجتماعيا كما يحدث في الجانب الآخر من العالم غربا، مما يطرح السؤال عن مدى استعدادنا لتفكيك منظومة القيم لدينا، ومدى مشاركة كل منا في عملية التفكيك هذه، إما بالدعوة إليها صراحة.
كما رأينا وسمعنا من بعض الآراء التي أيدت «تيدي» وتعاطفت معه، بل ودافعت عنه، وإما بالسكوت الذي هو ليس دائما من ذهب - كما تعلمنا من مقولاتنا العربية الشهيرة - غير معترضين على ما يحدث أمامنا، وإما باتخاذ موقف اللامبالاة تجاه ما يجري.
وهو الموقف الأكثر شيوعا في عالمنا العربي بعد أن وصلت الشعوب المغلوبة على أمرها إلى مرحلة من اليأس جعلتها تستسلم لقدرها غير مبالية على أي جنب كان مصرعها. وهو موقف أكثر خطورة من التأييد الصريح لأنه مؤشر على أن الأمة قد وصلت إلى مرحلة من البلادة تجعلها لا تحس بما يجري لها وحولها، وحتى لو أحست فإنها لا تبالي.
وإذا كان برنامج «عندما يفتح الملف» قد فتح ملف «عندما يرقص الذكر» فإننا ندعو إلى فتح ملف أكثر أهمية، هو ملف «عندما تنهار منظومة القيم» لأننا عندما نختلف على النظر إلى ذلك الذي شاهدناه يرقص ويتلوى أمامنا على الشاشة فيعترف بعضنا بذكورته وتتفق معه طبيبة ومحللة نفسية على أنه ليس مريضا نفسيا، فإن فتح ملف انهيار منظومة القيم يصبح أكثر أهمية وإلحاحا، لأن العابرين من الشاذين جنسيا على مدى التاريخ كثيرون.
وربما احتل بعضهم مواقع الصدارة في عالم السياسة والفكر والأدب والفن والرياضة ونالوا شهرة كبيرة، ولكن عندما نصل إلى مرحلة الاختلاف على ما نراه أمامنا من شذوذ بيّن فيصنفه البعض منا على أنه حالة طبيعية لا تستدعي التوقف عندها، ويعتبر الحديث عنه مساسا بالحرية الشخصية للأفراد والبشر، هنا يصبح فتح ملف انهيار منظومة القيم ضرورة ملحة وليس ترفا في زمننا الذي يعاني تخمة في التعدي على القيم ومجاعة في المحافظة عليها، ولا نعرف نحن إن كانت نهايتنا ستكون من المجاعة أو التخمة.
كاتب إماراتي
aliobaid2000@hotmail.com