الترحيب بولادة الحكومة الفلسطينية الجديدة ونيلها ثقة المجلس التشريعي، كان عامّاً. وحده الثنائي الأميركي ـ الإسرائيلي، جرياً على عادته، بقي في خندق المقاطعة. العالم كله أعرب عن ارتياحه، ولو بدرجات. النرويج كانت متميزة. سارعت فوراً إلى إعلان عودة التطبيع التام للعلاقات مع حكومة الوحدة الوطنية. لا شروط ولا ضبابية. وهو موقف عاقل وشجاع، عل الآخرين أن يحذوا حذوه.
الاتحاد الأوروبي رحب، وكان ترحيبه من النوع الخجول. ربط التعاون مع حكومة هنية بشروط. من كلام رئيس البرلمان الأوروبي يبدو أن هناك رغبة على الأقل، لإعطاء الحكومة الفلسطينية الفرصة. يعني ذلك أن الأوروبيين لمسوا ما يبرر التجاوب وإبداء الليونة المطلوبة.
البرنامج الحكومي الفلسطيني يصوب باتجاه العمل على إقامة الدولة الفلسطينية؛ مع الالتزام بالاتفاقات المعقودة وسلوك طريق التفاوض. ثم الحكومة نالت ثقة مجلس تشريعي منتخب. كما نالت الترحيب الدولي والاحتضان العربي إذاً هناك مقبولية واسعة لهذا التطور الفلسطيني. وبدلاً من التمهل وعدم التسرع في إطلاق الأحكام واخذ المواقف السلبية القاطعة، أعلنت إسرائيل أنها «لن تعترف بهذه الحكومة أبداً أو تعمل معها أو مع أي من أعضائها». بل طالبت العالم بمقاطعتها، محذرة من استئناف المساعدات لها وفك الحصار.
الذرائع المألوفة جاهزة: الإرهاب وشرط الاعتراف بوجودها.. طبعاً لم يكن من المتوقع أن يصدر عن تل أبيب خلاف ذلك. تجارب الماضي واضحة دروسها. هروبها من التفاوض صار ماركة مسجلة باسمها، وشريط تحايلها والتفافها على أية معطيات قد تقود إلى الطاولة، طويل وحافل بالوقائع والمناورات المفتعلة؛ من التعجيز إلى التفجير.
المستغرب ولو أنه غير مفاجئ، أن يكون الموقف الأميركي في كل مرة نسخة عن الموقف الإسرائيلي بسهولة أو ربما باستهتار، ترمي العاصمة الأميركية كافة المستجدات جانباً لتبقى متشبثة ومتذرعة بمزاعم إسرائيل ومطالبها الواهية.
كل ما يفعله ويقدمه الفلسطينيون غير كاف. دائما مطلوب منهم المزيد والمزيد والمطالب بلا سقف، مسلسلها لا ينتهي. أجروا انتخابات. وبعد تجربة مؤلمة ومكلفة توافقوا على حكومة موحدة. كانوا يزعمون باستمرار أنه لا توجد في الساحة الفلسطينية جهة واحدة يمكن الركون إليها للتعامل معها.
ويوم حصل وتوفر كل ذلك، رفعوا بوجههم المطالب والشروط التي على الجانب الفلسطيني التسليم بها سلفاً، قبل الجلوس معه. وكأن المفاوضات تحصل للبصم فقط. أو كأن المطلوب من الفلسطينيين التوقيع المسبق على صك الاستسلام غير المشروط، قبل دخولهم إلى قاعة المفاوضات.
طبعاً واشنطن تعرف أنه «ما هكذا تورد الإبل» وتدرك أن رد الفعل على الحكومة الجديدة لا يستقيم مع منطق الأمور. لكنها السياسة. وربما تبقى على عنادها. لكن ذلك لن يغير من حقيقة أن الكرة الآن في ملعبها. فإذا كانت فعلاً جادةـ كما تقول ـ في التصدي لملف القضية الفلسطينية والمضي بالعملية السياسية إلى نهاياتها المنشودة؛ فاللحظة متوفرة الآن، السوابق لا تشجع على التفاؤل. والتحدي أن تثبت العكس.