استوقفني التقرير المنشور في الشرق الأوسط (13/3/2007) نقلاً عن «واشنطن بوست» حول انتشار وتغلغل الفكر المتطرف في أوساط النساء والمراهقين في أوروبا الغربية. يتحدث التقرير عن الأم الهولندية ذات الأصول المغربية التي هاجرت إلى هولندا.
ودرست هناك وكانت تعيش حياة أوروبية فتذهب إلى الحانة مع أصدقائها وتلبس الأزياء الأوروبية، ولكنها تغيرت فجأة وأصبحت (متعصبة) وتورطت في التغطية على خطط لهجوم إرهابي وكتبت رسالة تعرض فيها التضحية بنفسها وطفلها كشهداء، وقد ظهرت مؤخراً في قاعة محكمة بريطانية وهي ترتدي قفازات يدوية تحت حجاب أسود.
يقول التقرير إن الناس مندهشون للتحولات التي تحدث لهؤلاء المتهمين بالإرهاب نظراً لكونهم من خلفيات غير مألوفة ولأنهم يزدادون بشكل غير مألوف، الشرطة في أوروبا تعتقل كل شهر أعداداً كبيرة من النساء والمراهقين والمتهمين البيض وأشخاصاً عمّدوا كمسيحيين وهم جماعات كانت تُعد ـ في السابق ـ في نظر خبراء مكافحة الإرهاب من بين الأقل احتمالاً في اعتناق الدين الإسلامي، ولذلك يقول أحد الخبراء «من الصعب إعطاء صورة عن الإرهابيين، أي تكوين صورة يمكنك تمييزها حتى تتمكن من التكهن بأن هذا الشخص سيكون متطرفاً، وربما عبر الخط باتجاه الإرهاب».
يقول التقرير: انه في (بلجيكا) المجاورة لهولندا، ما يزال الناس في حيرة بشأن من دفع (موريل ديغوك) الشقراء البالغة (38 عاما)، والكاثوليكية البيضاء إلى التحول إلى الإسلام ثم السفر إلى العراق لتفجير نفسها في نوفمبر 2005، وكان (نزار طرابلسي) الذي أدين قبل عامين بالتخطيط لتفجير قاعدة الناتو في بلجيكا نجم كرة قدم أوروبي قبل أن يذهب إلى أفغانستان للالتحاق بمعسكرات تدريب القاعدة.
وفي بريطانيا كان ثلاثة من المتهمين في قضية اختطاف طائرة الصيف الماضي ممن تحولوا دينياً ممن نشأوا في ضواحي شمال لندن، وكأن أحدهم ابن انجليزي مرّفه.
وكشفت دراسة حول 242 متطرفاً إسلامياً مُداناً بالتخطيط الإرهابي في أوروبا في الفترة 2001 ـ 2006، أن معظمهم من أصول عربية ولدوا ونشأوا في أوروبا، وجاءوا من خلفيات الطبقة الدنيا والوسطى وتتراوح أعمارهم بين (16 ـ59) عاماً، وانتهى التقرير وتبقى عدة تساؤلات حائرة:
ما الذي يدفع بعض هؤلاء الذين يعتنقون الإسلام للانخراط في صفوف المتطرفين؟!
ما الذي يستهويهم في خطاب العنف والكراهية؟!
لماذا يتنكر بعض أبناء المهاجرين إلى أوروبا لجميل من آواهم وحماهم من بطش سلطات بلادهم الأصلية؟
لماذا لا يقدرون نعمة الحرية التي ينعمون بها؟
هذه الأسئلة تشكل تحدياً للدعاة والمشايخ الذين يذهبون إلى بلاد الغرب للدعوة والتوعية وبيان سماحة الإسلام ووسطيته وعدالته كما تشكل تحدياً لنا جميعاً، وتدعونا لضرورة المراجعة وإعادة النظر في مجمل خطابنا الديني الموجه للغرب وللجاليات الإسلامية هناك!
ترى لماذا لم يثمر خطاب دعاة الوسطية والاعتدال؟
ولماذا يكسب دعاة (الكراهية) أنصاراً وتعاطفاً في أوساط الجاليات الإسلامية هناك، وكذلك عندنا في الأوساط الجماهيرية؟!
ومن باب التذكير فإن هجمات 11 سبتمبر تمت بتخطيط وتنفيذ خلية (هامبورج) المؤلفة من عرب ومسلمين يدرسون في جامعات الغرب. وتفجيرات (11 مارس) في مدريد، كان وراءها عناصر مغربية تعيش في بلاد الغرب، وتفجيرات (7 يوليو) التي ضربت مترو أنفاق لندن كانت بتدبير عناصر باكستانية من الجيل الثالث للجاليات الإسلامية في الغرب، والمغربي الذي قتل (فان غوخ) قال لأمه:
«لا أستطيع أن أتعاطف معك لأنك كافرة، لقد تصرفت من منطلق إيماني ولو أفرج عني لفعلتها ثانية، وقال أبو حمزة عن إقامته في بريطانيا: «إنها مثل استخدام المرحاض»، أما عبدالقادر مأمور الذي كان إماماً وخطيباً في إيطاليا وأبعدته لتعاطفه مع (بن لادن) فقد قال: «واجبي توعية الناس عن طريق (حب الموت وكراهية الدنيا) والحث على الجهاد ضد الطاغوت الأوروبي».
لقد تسببت أعمال (القاعدة) والمنتسبين إليها في إلحاق أبلغ الضرر بالجاليات الإسلامية في أوروبا وأدت إلى التضييق على المسلمات في حجابهن وشوهت صورة الإسلام لدى الغرب وساعدت على تقوية المد اليميني المتطرف في العديد من الدول الأوروبية واكسبته أنصاراً ونفوذاً، كرد فعل تجاه حماقات بعض أبناء الجاليات الإسلامية.
صحيح أن سياسة استرضاء زعماء التطرف واستضافتهم وحمايتهم ورعايتهم وهي السياسة التي اتبعتها بريطانيا لها دور في تمكين الفكر المتطرف وتغلغله في أوساط الجاليات الإسلامية، إذ تمكن هؤلاء عبر الخطب النارية والتمويل والتخطيط على امتداد عقدين من زرع ثقافة وفكرة (الكراهية) في نفوس وعقول بعض أبناء الجاليات وغرسوا مفردات (الجهاد) ضد الكفار ومشروعية استخدام العنف طريقاً إلى الجنة في أفئدتهم، ولكن التساؤل الذي يبقى قلقاً:
لماذا كسب الطرح المتعصب واجتذب هؤلاء الشباب رغم أن دعاة (الكراهية) أقلية مقارنة بأعداد الدعاة الذين تبعتهم الدول العربية؟!
لماذا ينتصر الخطاب المتشدد ويكسب أنصاراً على استعداد لتفجير أنفسهم؟
هذا هو التحدي الأكبر الذي يواجهه خطابنا (التعليمي) و(الدعوي) و(الإعلامي) و(الثقافي).
ما هي جاذبية خطاب الكراهية والعنف؟
لماذا ينتصر داعية الكراهية ويحقق نجاحاً؟
هل لأنه يمثل نموذجاً صادقاً في أعين هؤلاء الشباب؟
هل لقدرته على الإقناع بأكثر من الآخرين من دعاة الاعتدال؟
هل لأن دعاة الاعتدال محسوبون على الحكومات والأنظمة بينما دعاة الكراهية والتشدد يمثلون التيار المعارض؟
وهل بسبب اعتقاد بعض المسلمين هناك أن معيار الإخلاص الديني إنما يتحقق عندما يكون أكثر تشدداً؟
هل بسبب ضغوط الغربة وتضخم الهوية والخصوصية يستهوي خطاب التطرف هؤلاء؟إن الأعمال الإرهابية التي تجعل العالم مستنفراً متوجساً من المسلمين تضرب ـ بغباء ـ كل قضايانا العادلة في مقتل وتجعلنا عاجزين عن تصحيح صورة الإسلام في أعين الغرب، وهذا هو التحدي الكبير الذي يجب علينا مواجهته ولن يفيدنا بشيء لوم الآخر وتحميله المسؤولية. علينا تفكيك خطاب الكراهية لنصل إلى جواب ما الذي يستوي البعض في ذلك الخطاب العنيف.
كاتب قطري