تأخر الوفاق الوطني الفلسطيني، لكن تشكيل الحكومة الذي خرج مع بيان يشمل خطط الداخل والخارج، يعد خروجاً عن المراحل الحرجة والساخنة إلى ساحة العمل الأكثر أهمية وتحدياً ليس فقط لإنشاء منظومة عمل واسع يعيد بناء الداخل، وإنما لوضع خطط للسلام تنبني على المشروع العربي، والذي طالما قالت إسرائيل إنه ليس لدى العرب خطط يمكن التحاور حولها، وغالباً ما طالبت بالتنازلات المستحيلة بما يعد مسلّمات، حتى تستطيع التمدد على الأرض الفلسطينية، لكن هذه السياسة بدأت في نظر الأوروبيين غير عملية، ولا تلتقي مع مطالب شعب يكافح من أجل أرضه وحريته، وربما أن النظرة الأميركية، وإن لم تعلن صراحة، فإنها تلتقي مع نقاط الحل وضرورة تبديل المواقف بما يتفق والمتغير الإقليمي والعالمي، والتي رسبت بدرجات دنيا في خلق أجواء أمنية ومصالحات تؤدي للسلام في المنطقة حتى يمكن، على أثرها، اختزال المواقف الأخرى، التي تعرضت للتغيير من خلال دخول قوى مثل روسيا في المسائل العراقية، والإيرانية، ونشر الصواريخ الاستراتيجية حول حرمها الوطني، وكذلك الصين، التي، وإن انصب اهتمامها على توسيع دوائرها الاقتصادية، فإنها لا تلتقي مع السلوك الأميركي، وطالما الموقف العالمي يتحرك بدواعي عدم ترك الفوضى تسود العالم من خلال القطب الأميركي، فإن قيادات وساسة البيت الأبيض أدركوا أن العوامل القديمة غير صالحة لإتمام صفقات السلام والأمن العالمي من دون مشاركة أقطاب أخرى من المستحيل تعويم مصالحها، أو تجاهلها.
الفلسطينيون قدموا ما يعتبر حلاً منطقياً بتشكيل حكومة الوحدة الوطنية وتبقى المسؤولية على الجانب الدولي الذي فرض حصاره الاقتصادي، بأن ينظر للموضوع ليس من جانبه الإنساني فقط، وإنما لإعطاء الثقة والدعم لتلك الحكومة لأن الكثير من العوائق، التي شكلت عبئاً ثقيلاً على شعبها سواء جاء من خلال سياسة التجويع وتعطيل آلة العمل لتوفير المتطلبات الأساسية، أو إطلاق آلة إسرائيل العسكرية بأن تدمر وتسجن حتى من يملكون الحصانة وفق القوانين الدولية، ليأتي الحوار على المشروع العربي كمنطلق لعمل يكتسب فاعليته بدعم من كل القوى المؤثرة في المنطقة.
فالغرب جرب كيف يتعامل مع الواقع الفلسطيني بالكثير من المظالم، وحتى عندما دخل الشرق الشيوعي ليكون مسانداً لهذه القضية، من خلال سياسة الاستقطاب والعداء بين المعسكرين، فإن الموضوع ظل قيد التأجيل، وبأسبابه تفجرت المنطقة، وصارت محوراً لتوليد الإرهابيين تبعاً لظروف القهر التي سادت، والتي لا يعوضها إلا سلام يتحقق على الأرض وليس على الورق.