ثمة حديث شريف مفاده: «أن آخر ما يخرج من قلوب الأولياء أو الأتقياء قبل الموت أو الوفاة هو حب الجاه».وإذا ما أردنا تطبيق هذا الحديث أو إسقاطه من باب المجاز على السياسيين وإن كان الفرق كبيراً بين الأولياء والصالحين والأتقياء والسياسيين ـ في غالبيتهم على الأقل ـ إلا إننا نستطيع أن نستخلص قولاً يشبه مضمون الحديث الآنف الذكر ولكن في عالم السياسة ونجعل منه حديثاِ يصلح للانطباق على السياسيين، وقد يكون مضمونه كالآتي: «إن آخر ما يخرج من قلوب السياسيين هو النفاق، أو أن آخر ما يدخل إلى قلوبهم قبل الرحيل هو الاعتراف بالخطأ».
وإذا كان «الاعتراف بالخطأ فضيلة» كما هو الحديث أو المثل المشهور عندنا. إلا أن غالبية السياسيين يكرهون أكثر ما يكرهون هذا المثل، وقد يكون الرئيس الأميركي جورج بوش أكثر السياسيين في العالم ممن تنطبق عليه صفة الكراهية المطلقة لهذا الحديث أو المثل، فهو قد أثبت وبجدارة منقطعة النظير بأن الآية القرآنية القائلة:
«أرأيت من اتخذ إلهه هواه...» إذا ما انطبقت على أحد في عصر من العصور فإنما انطبقت عليه أكثر من أي زعيم سياسي آخر في تاريخ الزعماء والرؤساء، لا بل إنك تستطيع القول ومن دون تردد بأن الرئيس بوش الابن لو صادف أن زمانه كان في زمن نزول الوحي الإلهي على الصادق الأمين لأجمع المفسرون بأن شأن نزول الآية إنما كان هو الرئيس الأميركي جورج بوش الابن.
لم يبق أحد في الدنيا من أهل الحل والعقد داخل أميركا وخارجها إلا واقتنع أو يكاد بأن غزو العراق كان كارثة تاريخية وخطيئة استراتيجية أضرت بمصداقية أميركا وأخلاقيتها التاريخية، بل وأطاحت بمستقبل الوجود الأميركي في المعادلة الدولية، غير أن الرئيس بوش ومن تبقى من حوارييه من المحافظين الجدد ممن ورطوه في هذا الوحل والمستنقع الآسن ليس فقط غير مستعد ولا للحظة واحدة أن يقر ويذعن بهذه الحقيقة الساطعة، لا بل إنه لا يزال مصراً على تعداد إنجازات هذه الحرب، وأنه لابد من إكمال المهمة بنجاح والانطلاق منها نحو لبنان وسوريا وإيران.
وقد تعامل بوش ولا يزال مع كل النصائح العسكرية والدبلوماسية والأمنية التي قدمها ولا يزال الجنرالات وكبار رجال السياسة والأمن وخبراء الاستراتيجية والدفاع في الداخل الأميركي بطريقة هزلية أو فكاهية أو استعلائية أو احتقارية إلى درجة بدأت تثير امتعاض حتى الجمهوريين وبعض صقور الإدارات الأميركية السابقين.
هذا في حين أنه لم يعد هناك أي جدال حول ضرورة وضع جدول زمني للانسحاب من العراق ووضع جدول زمني مواز لتفعيل دبلوماسية الحوار والمفاوضات مع جميع الأطراف التي استهدفها الغزو سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، لإشراك كافة العناصر والقوى المؤثرة أو المتأثرة بشظايا وتداعيات ذلك الفعل التاريخي الكارثي الذي لا يزال يفرز سفكاً لا ينقطع من الدماء ودورات من العنف لا يعرف أحد نهايتها إلا بوقفة مسؤولة مع التاريخ والضمير والوجدان والمحاسبة العقلانية،.
لم يعد أحد في داخل أميركا قادرا على الدفاع عن منهج استمرار الحرب على العراق ناهيك عن فتح صفحة جديدة في كتاب حرب كارثية ثانية لا ضد لبنان ولا سوريا ولا إيران، وبالأمس فقط وقف رجل شجاع من الديمقراطيين وقال لبوش: «لقد تعرضت للرصاص والقصف مرات ومرات في حروب سابقة (أعتقد أنه كان يقصد فيتنام) وأعرف أن الأسلحة التي كانت تنطلق منها الرصاصات كانت صينية في غالبيتها لكننا في النتيجة فاوضنا الصينيين وأنجزنا الكثير في هذا السياق..».
إن المطلوب من الإدارة الأميركية أن تفاوض الثوار العراقيين المسلحين منهم والمقاومين بالسياسة وأن تفاوض السوريين والإيرانيين بشجاعة وجرأة العسكري والسياسي والدبلوماسي الذي خسر الحرب لحفظ ما تبقى من دماء لم تسل بعد في المنطقة، سواء كانت تلك الدماء أميركية أو عراقية أو عربية أو مسلمة قبل فوات الأوان، وعليها أن تستمع إلى نصيحة كيسنجر التي كانت شفافة للغاية عندما كتبت قبل أيام يصف مؤتمر بغداد للسلام على أنه ينبغي أن يكون مؤتمر إنهاء الحرب قبل الإنهاك تماماً كما فعلنا في الحرب العالمية الثانية قبل أن يأتي الوقت الذي ننهك فيه إلى الحد الذي لن نستطيع أن نعمل فيه شيئاً.
هذا رأي كيسنجر أيها الرئيس لأكبر دولة عظمى وليس رأي أبو عمر البغدادي أو أيمن الظواهري أو الشيخ بن لادن، فلماذا هذه المكابرة وعبادة الذات؟!
إنها فرصة تاريخية ذهبية تبدي فيها سوريا وإيران وسائر دول الجوار العراقي رغبتهم في مساعدتك للخروج المشرف من العراق، لكن ذلك كما تعلم بحاجة إلى قرار شجاع وثمن ما يجب أن يدفع، ولا أحد يعمل بطريقة الجمعيات الخيرية، أو مراكز رعاية اليتامى والمساكين في العمل السياسي حتى تطلب منهم بكل استعلاء وبمنة متناهية الحجم يقصد منها الإذلال والإهانة مصحوبتان بالتهديد والوعيد إذا لم يتمثل ولم يذعن الجميع لمساعدتك، فأنت وكما قال لك ولنائبك أحد القادة العرب من أصدقائك وحلفائك التقليديين: «لم تستشرنا عندما قررت الدخول في المغامرة فكيف تريدنا أن نشير عليك بكيفية الخروج؟».
هذا إضافة إلى أنهم جميعاً قد أبلغوك بأنهم لا يريدون ولا يستطيعون تحمل مزيداً من الحروب والخطايا الاستراتيجية في المنطقة، فإذا كان أصدقاؤك وحلفاؤك يقولون لك ذلك فماذا تتوقع من خصومك وأعدائك الذين وضعتهم في «محور الشر» وضمرت لهم كل الشر، فهم غاضبون منك إن لم تدفع لهم ما يطلبون أو أن ترفع عنهم سيف «هيرقليطس» المسلط عليهم على طاولة المفاوضات وتوقف حرب المخابرات التي قررت شنها عليهم؟
فالأرض أرضهم في النهاية، وأنت غريب وقادم من بعيد ومهما استوطنت وطابت لك الأجواء لا بد راحل يوماً، أليس من الأفضل أن تبحث عن تسوية مشرفة لسلة الملفات الساخنة والمستعصية على الحل جميعاً قبل أن تتفجر بوجهك أكثر من كارثة إضافية أنت في غنى عنها وأهل المنطقة بكل تأكيد البتة.وعندها ليس فقط لن يكون هناك «خروج مشرف» فقط بل ستكون النتيجة إعادة صياغة نظرية «نهاية التاريخ».
كاتب إيراني