يعيش لبنان لحظات ترقب، قد تكون حاسمة. مصير أزمته متوقف إلى حد بعيد، على الحركة الناشطة الجارية الآن. الإشارات الصادرة عن أطرافها كثيرة ومتباينة. في مجملها واعدة ولو بدرجات. منها ما يبشر باختراق قريب وبأن التسوية هاجمة، ومنها ما يطغى عليها الحذر، من دون أن ينكر أصحابها حصول تقدم في هذا الاتجاه.
وهكذا يبدو، للمرة الأولى ومنذ حين، أن هناك تقاطعا إيجابيا يحكم التوقعات المختلفة. الأمر الذي يطرح التساؤل: هل اقتربت لحظة إخراج لبنان من الأزمة؟ وهل يكون ذلك قبل القمة العربية؟
المؤشرات، في هذا الخصوص واعدة. في أقله هي توحي بذلك، اللقاءات الثنائية في بيروت مكثفة ومتلاحقة، الأمر الذي يدل على أن الحوار لم يصل إلى الطريق المسدود، فضلاً عن أن التلميحات الصادرة عن أطرافه، تبدو واعدة. كذلك هي التحركات الجارية بموازاة ذلك والتي يرشح منها ما يعزز الاعتقاد بإمكانية حصول تطور يفتح كوّة في جدار الأزمة. كما لوحظ أن حدة الخطاب المتداول هبطت درجتها نسبياً.
وهكذا هو حال عملية التراشق، التي شهدتها الفصول السابقة من الأزمة، مما يؤشر إلى تسلل مناخ تسووي إلى الساحة، ويبدو أن ضغط الوقت يلعب دوره، في إشاعة مثل هذه الأجواء. فالقمة العربية على مسافة عشرة أيام فقط. وثمة رغبة وربما حاجة، لبلوغ صيغة مخرج قبل حلول هذا الموعد.
حسابات واعتبارات مختلفة تلتقي عند مثل هذه الحاجة. هناك تخوف من أن يأتي استحقاق القمة من دون تسوية في لبنان؛ على أساس أن من شأن ذلك جعل التصعيد، ليكون البديل المؤكد. ومن هنا العجلة وحث الخطى لاغتنام الفرصة السانحة. خاصة وأن جملة استحقاقات لبنانية مقبلة، تفرض الوصول إلى هذه النقطة قبل مواجهتها.
اللبنانيون يدركون ذلك، وأيضاً تدركه الوساطات الإقليمية الجارية، على قدم وساق. فاللحظة قد لا تتكرر في المدى القريب. والأزمة استنفدت وقت المراوحة ولعبة شد الحبال. وعلى الرغم من الاعتبارات والعوامل الخارجية المؤثرة فيها؛ فإن العامل الداخلي يبقى هو المقرر الحاسم، ولا عذر لعدم الإقدام على الخطوات المطلوبة.
البلد يتلوّى فوق نار المأزق، واللاعبون تعبوا، أو هكذا يفترض. والخيارات ـ غير المزيد من التصعيد وبالتالي المجازفة الخطيرة ـ باتت شحيحة. والجميع بات يعرف ويعترف بأن المخرج الوحيد يندرج تحت عنوان التسوية، أو ما يسمونه بصيغة «لا غالب ولا مغلوب».
ولا شك أن محاولات ومناخات رأب الصدع، العربي والإقليمي التي تبدو أنها تشق طريقها بحيث قد تخيم على جلسات القمة العربية القريبة؛ لا شك أن من شأنها تزخيم العملية الجارية للتوصل إلى التسوية المقبولة. ومن نافلة القول إن مثل هذا الحل يتطلب بلوغه استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات متبادلة ومغادرة الإصرار على كل شيء وإلا فلا.
الأيام القليلة الفاصلة عن القمة العربية، هي أيام فاصلة في الأزمة اللبنانية. البلد والمنطقة بانتظار خروج الدخان الأبيض من قبة بيروت، التي نأمل أن تنضم إلى رام الله، بحيث تكون حصة المنطقة هديتين في أسبوع واحد من فلسطين ولبنان.